الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

شرحُ المطلبِ السادس / آثارُ الحَسَناتِ والسَّیّئات

آثار الخیرات والسیئات

متن الدرس:
یجب على السالک أن یلتفت إلى ما ورد فی القرآن، وهو أنّ الأعمال الصالحة تتضاعف آثارها وأنوارها أضعافاً مضاعفة؛ «مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها»، ومن لطف خدای سبحانه أنّ الأمر فی السیئة لیس کذلک؛ «وَمَن جاء بالسیئة فلا یجزى إلا مثلها»، فالتعمّق فی هذا اللطف الإلهی یحدث أثراً طاهراً فی الروح.

شرح الدرس:

إیجاد طرق محبة الله

ما یُذکر هنا هو أحد طرق تحصیل محبة الله وطریق للتفکیر بالنسبة للسالکین، إذ إنّ السالکین یبحثون دائماً عن سبیل یزید محبتهم لله فی قلوبهم.

وفی توضیح ذلک نقول: إنّ السالک، سواء کان قویاً أم ضعیفاً، لا بد له وسط هذا العالم المضطرب أن یجد بنفسه طرق المحبة. فبمَ یتقرب إلى الله؟ ومن أی طریق یمکنه تحصیل ذلک؟ هذا هو فنّ السالک.

السالک لا یکون أبداً بلا حرکة ولا نشاط، بل هو دائماً فی ذکر لسانی أو قلبی، أو فی فکر، أو فی توجهات، أو توسلات. السالک لا یستطیع الجلوس ساكناً، خصوصاً الذین ذاقوا، الذین خطوا خطوة فی هذا الطریق وعرفوا أن هناک أمراً عظیماً.

هؤلاء لو أرادوا هم أنفسهم أن یتراجعوا، أو أراد غیرهم أن یثبّطهم، فإنّ الجذب من تلک الجهة إذا کان قویاً فسینجحون فی هذا الطریق ولن یستطیع شیء أن یمنعهم من التقدم.

فائدة الابتلاءات

وکل هذه الضربات والآلام التی یتعرضون لها فی هذا الطریق هی لهم خیر ونفع، وإن کانوا الآن لا یدرکون ذلک. أی أنّه لابد لهم ـ وإن کانوا غیر ملتفتین ـ أن یصبروا إلى أن یصلوا إلى درجة من الوعی یشعرون فیها بأن جمیع تلک الابتلاءات کانت من أجل سیرهم وسلوکهم، وأن کل هذه المعاناة کانت لأجل تقدمهم.

لطف الله فی الثواب والعقاب

وقد ذکرنا هنا نکته مستفادة من جمع هاتین الآیتین:
فإنّ الله تعالى یقول: إن فعلت حسنة کان لک عشر أمثالها، وإن فعلت سیئة فهی واحدة فقط. وهذا دلیل على لطفه ورحمته، فهو لا یؤاخذ عباده بشدة، وإن کان یستطیع ذلک، ولکنه یعاقب السیئة بمثلها. فلو أذنبنا یبقى باب عفوه واسعاً، وإذا مشینا نحوه بالعمل الصالح والنوايا الطیبة اقترب منا.

وفی الحدیث القدسی: «إن تقرب إلیّ العبد شبراً تقربت إلیه ذراعاً…»
وهذا أمر محسوس لأهل المحبة والسلوک، فإنّ من نقّى قلبه یرى فی نفسه أنّه بعد البکاء والمناجاة والتوجهات تظهر آثار لم تکن عنده سابقاً، یرى نمواً فی نفسه. فلماذا یقصر الإنسان وقد فتح الله له أبواب رحمته وفضله؟

استغلال الفرص للتقرب إلى الله

ومن هذه القوانین المعنویة ما نراه عند بعض السالکین: أنهم یستفیدون من اللیل، خصوصاً لیالی الشتاء الطویلة. وأما من کان فی سن الشباب فالنوم یغلبه، ولکن لو قاوم النوم وقام فی جوف اللیل حیث الهدوء والخلاء وناجى حبیبه، لوجد أثراً عظیماً.

وحتى لو استیقظ عند أذان الفجر فلا یقل: فاتنی وقت کذا! بل یقوم ویستفید من وقت بین الطلوعین.

السالک یطلب القرب لا الثواب

کل هذه الأعمال حسنات، والحسنة تُضاعف، ولکن معنى المضاعفة عند أهل المحبة لیس عدداً وحساباً، فهم لا یطلبون الثواب ولا الجنة، بل یطلبون القرب. فهم یفهمون من الآیات معنى غیر الذی یفهمه العوام.

السالک یقول: إذا حصّلت مرضاة الله فی أی باب ولو کان قلیلاً فقد تقربت إلیه.

وجوب الانتباه للفرص والتوفیقات

فی کل حال ـ سواء کانت التوفیق کثیرة أو قلیلة ـ یجب أن لا یُغفل السالک عن الله ولا یتقاعد. «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِینَ عَلَى الْقَاعِدِینَ أَجْرًا عَظِیمًا».

والقاعد فی الظاهر هو من یجلس فی بیته ولا یخرج للجهاد، والقاعد فی الباطن من لا یجاهد نفسه، وهو أسوأ. فهو یفوّت على نفسه الجهاد الأکبر.

التکاسل یُسلّط الشیطان

فمن یتقاعد یُسلّط الشیطان ونفسه الأمارة علیه. فلماذا یضرّ نفسه؟ وهل العاقل یفعل ذلک وهو یعرف الأثر؟

إذن لا بد من توبة کاملة، نغسل بها باطننا، ونقول:
یا الله! یا علی! الحرکة منا والبرکة منک.

فـ«نظرة لطف واحدة من أبی تراب ترفع الإنسان إلى السماء وتجعله یفعل ما یفعله الشمس».

خاتمة

یجب أن نعلم أن لحظة واحدة من نظرهم تکفینا للخروج من الظلمات والجهالات والدنیویات.

جدول المحتويات