آداب قراءة القرآن
قال الصادق (عليه السلام): «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَلَمْ یَخْضَعْ لِلَّهِ وَلَمْ یَرِقَّ قَلْبُهُ وَلَا یُنْشِئُ حَزْناً وَوَجَلًا فِي سِرِّهِ فَقَدِ اسْتَهَانَ بِعِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا».
انتبهوا إلى أن هذا الكلام يُعدُّ تحذيرًا كبيرًا من الإمام الصادق (عليه السلام) لقارئي القرآن. فقال: من قرأ القرآن ولم يكن قلبه خاشعًا، ولم يشعر بالحزن أو الرهبة أثناء التلاوة، فليعلم أنه «قَدِ اسْتَهَانَ بِعِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ»، أي أن هذا القارئ قد قلل من عظمة ومقام الله، «وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا»، أي أنه أصاب نفسه بخسارة واضحة. وما أعظم هذه الخسارة! مثل أن يأتي أحد ليحدثك، وأنت مشغول البال في مكان آخر؛ فهذا يُعد إهانة للمخاطب. إذا جاء شخص لزيارتك ولم تُعطه انتباهك، ولم تصغِ لكلامه، فهذا تحقير له.
المصلي في الصلاة يتحدث مع الله، أما في تلاوة القرآن، فالأمر معكوس: الله هو الذي يتحدث إليه القارئ. يجب على قارئ القرآن أن يسمع ما يُقال، إذ أن جبريل كان ينزل آيات وسور القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وآله على مدى سنين طويلة. نحن أيضًا عندما نقرأ القرآن، يجب أن نضع أنفسنا مكان النبي، ونظن أن جبريل يقرأ لنا من عند الله، وأن هذا القرآن نزل الآن وأن الله يتحدث معنا، ولكن إذا لم يكن قلبنا خاشعًا ونورانيًا، فلن يستقر القرآن في قلبنا، وهنا يُهان عظمة الخالق لأننا لا ننتبه إليه.
الحاجات الثلاثة لقارئ القرآن ونتائجها
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «فَقَارِئُ الْقُرْآنِ مُحْتَاجٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ». أي أن القارئ يحتاج إلى ثلاث خصال ضرورية يجب أن يتحلى بها قبل التلاوة:
قلب خاشع
بدن فارغ من أي انشغالات أخرى
مكان خالٍ للقراءة
إذا كان قلب القارئ خاشعًا لله، «فَإِذَا خَشَعَ لِلَّهِ قَلْبُهُ فَرَّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ». أي أن الشيطان يفر من هذا القارئ بمجرد سماع صوت القرآن، بشرط أن يكون القارئ متفرغًا بالكامل ويقرأ بقلوب وجوارح مشدودة لله. قال الله تعالى: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». لذلك يستحب أن يبدأ القارئ بالتعوذ بالله قبل التلاوة، كما في الصلاة عند قراءة سورة الفاتحة.
نتيجة فراغ الجسم
إذا تفرغ القارئ من كل الأسباب والمشاغل، «تَجَرَّدَ قَلْبُهُ لِلْقِرَاءَةِ»، فلا يشغله شيء عن القرآن. وإذا انشغل أعضاء الجسم بأي شيء آخر، يُحرم من نور القرآن وفوائده.
نتيجة خلوت المكان
يجب أن يقرأ القارئ في مكان خالٍ من الملهيات، «وَإِذَا اتَّخَذَ مَجْلِسًا خَالِيًا وَاعْتَزَلَ عَنِ الْخَلْقِ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْخَصْلَتَيْنِ الأُولَيْنِ»، أي بعد أن يكون قلبه خاشعًا وجسمه فارغًا، يجلس في مكان خلوتٍ ويقرأ القرآن، فيتواصل قلبه مع الله، ويشعر بالحب والانسجام مع كلام الله، ويجد حلاوة مخاطبات الله لعباده الصالحين، ويدرك لطف الله بهم ومقام اختصاصهم بالكَرَمات والإشارات العرفانية الموجودة في القرآن.
المصادر:
مصباح الشريعة
سورة النحل (16:98) – عند قراءة القرآن استعيذ بالله من الشيطان الرجيم
كتاب عرفان أهل البيت – الفصل الرابع عشر: قراءات القرآن، تأليف آية الله حاج الشيخ محمد صالح كميلي