ضرورة الانشغال بعيوب النفس
وَ لَا تَفْضَحْ أَحَداً حَیْثُ سَتَرَ اللَّهُ عَلَیْکَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَ اشْتَغِلْ بِعَیْبِ نَفْسِکَ، وَ اصْفَحْ عَمَّا لَا یُعِینُکَ حَالُهُ وَ أَمْرُهُ. وَ احْذَرْ أَنْ تُفْنِیَ عُمْرَکَ لِعَمَلِ غَیْرِکَ، وَ یَتَّجِرَ بِرَأْسِ مَالِکَ غَیْرُکَ وَ تُهْلِکَ نَفْسَکَ. فَإِنَّ نِسْیَانَ الذُّنُوبِ مِنْ أَعْظَمِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِی الْعَاجِلِ، وَ أَوْفَرِ أَسْبَابِ الْعُقُوبَةِ فِی الْآجِلِ. وَ مَا دَامَ الْعَبْدُ مُشْتَغِلًا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَةِ عُیُوبِ نَفْسِهِ وَ تَرْکِ مَا یُشِینُ فِی دِینِ اللَّهِ، فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْآفَاتِ خَائِضٌ فِی بَحْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، یَفُوزُ بِجَوَاهِرِ الْفَوَائِدِ مِنَ الْحِکْمَةِ وَ الْبَیَانِ. وَ مَا دَامَ نَاسِیاً لِذُنُوبِهِ جَاهِلًا لِعُیُوبِهِ رَاجِعاً إِلَى حَوْلِهِ وَ قُوَّتِهِ، لَا یُفْلِحُ إِذاً أَبَداً. {١}
الشرح والتفصيل
لا تفضح أحداً حيث ستر الله عليك ما هو أعظم منه: لا تفضح عيوب أحد ولا تشهره، واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد ستر عليك عيوبًا أعظم وأكثر. إن من يملك مثل هذه العيوب النفسية والباطنية يجب أن يتجه إلى نفسه لا إلى الناس. يقول الإمام (عليه السلام): طالما أن في نفسك ما هو أسوأ من عيوب الآخرين، فلا ينبغي لك أن تكشف ستر وعيوب الآخرين وتبحث عما يعيبهم. يجب عليك أن تهتم بذاتك لا بالآخرين.
وَ اشْتَغِلْ بِعَیْبِ نَفْسِکَ: انشغل دائماً بعيوب ونواقص نفسك.
وَ اصْفَحْ عَمَّا لَا یَعْنِیکَ أَمْرُهُ وَ حَالُهُ: تغاضَ وتجاوز عن الأمور التي لا فائدة ولا نفع لك فيها. انشغل بمن يخصك جداً؛ مثل النفس والزوجة والأبناء، إذ يجب عليك إصلاحهم أيضاً. أما الأقارب البعيدون الذين لا يشغلون اهتمامك الكبير، فحسابهم منفصل وليسوا داخلين في هذه القضية. ماذا يعني أن تهمل نفسك وزوجتك وأبناءك وتتجه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ وهداية الآخرين؟ يجب عليك أن تتجاوز وتصفح عما لا يفيدك، وأن تحمل أفعال المؤمنين على الصحة.
الاستفادة من رأس مال العمر
وَ احْذَرْ أَنْ یَفْنَى عُمُرُکَ بِعَمَلِ غَیْرِکَ: يقول: احذر أن تهدر عمرك؛ كأن تسعى لإصلاح الآخرين وتهمل إصلاح نفسك.
وَ یَتَّجِرَ بِرَأْسِ مَالِکَ غَیْرُکَ: حينها، يأتي الآخرون ويستفيدون منك، ويتاجرون برأس المال الذي هو عمر الإنسان. قد تبقى تلقي الخطب، تتحدث، تُبلّغ، وتكتب الكتب، فتصرف وقتك للآخرين دون أن تهتم بنفسك. في هذه الحالة، ما الذي يحدث؟ يستفيد الآخرون ويجدون طريقهم إلى الجنة، بينما أنت الذي لم تصلح نفسك تخسر الدنيا والآخرة.
نسيان الذنوب
فَإِنَّ نِسْیَانَ الذُّنُوبِ مِنْ أَعْظَمِ عُقُوبَهِ اللَّهِ تَعَالَى فِی الْعَاجِلِ: يقول: إن نسيانك لذنوبك هو من أعظم العقوبات الإلهية في هذه الدنيا الفانية. يجب أن تعتبر هذا نوعاً من العقوبة، أنك دائماً تهتم بالآخرين ولا تهتم بنفسك. قل: “إلهي! اشغلني بنفسي!”
وَ أَوْفَرِ أَسْبَابِ الْعُقُوبَةِ فِی الْآجِلِ: إن عدم اهتمام الإنسان بنفسه وصرفه لوقته للآخرين يجلب له العقوبة الإلهية في الدنيا والآخرة. ثم يقول: “وَ اشْتَغِلْ بِعَیْبِ نَفْسِکَ”؛ لذا يجب عليك أن تنشغل بعيوبك.
تأثير الانشغال بالطاعة ومعرفة العيوب النفسية
وَ مَا دَامَ الْعَبْدُ مُشْتَغِلًا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَةِ عُیُوبِ نَفْسِهِ وَ تَرْکِ مَا یَشِینُ فِی دِینِ اللَّهِ عز وجل: يقول الإمام الصادق (عليه السلام): إذا انشغل العبد بطاعة الله وعبادته، وانشغل بمعرفة عيوبه الداخلية، وانشغل بمعرفة وترك ما يضر بدين الله (عز وجل)،
فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْآفَاتِ: فهذا العبد الذي يريد حقاً أن يطهر ويصلح نفسه سيكون بعيداً ومحفوظاً من الآفات والأضرار.
غَائِصٌ فِی بَحْرِ رَحْمَهِ اللَّهِ تَعَالَى: إن مثل هذا الشخص، عندما ينشغل بنفسه، يكون غواصاً في بحر رحمة الله تعالى.
یَفُوزُ بِجَوَاهِرِ الْفَوَائِدِ مِنَ الْحِکْمَةِ وَ الْبَیَانِ: إذا انشغل العبد بنفسه ووجد منبع الحكمة والمعرفة، فإنه يكون هنا ناجحاً وموفقاً.
وَ مَا دَامَ نَاسِیاً لِذُنُوبِهِ جَاهِلًا لِعُیُوبِهِ رَاجِعاً إِلَى حَوْلِهِ وَ قُوَّتِهِ لَا یُفْلِحُ إِذاً أَبَدا: وعلى العكس، إذا وجد عبد لا يهتم بنفسه، ينسى ذنوبه، لا يستطيع إصلاح عيوبه، لا يتعرف على عيوبه ولا يسعى لرفعها، ويرى الحول والقوة من نفسه (لا من الله)، فلن يفلح أبداً. في الذكر الشريف نقول: “لَا حَولَ وَلَا قُوَّهَ إلَّا بِاللهِ العَلِیِّ العَظِیمِ”، أو عندما نريد أن نقوم في الصلاة نقول: “بِحَولِ اللَّه وَ قُوَّتِهِ اَقُومُ وَ اَقْعُدُ”.
إذا لم يقم الشخص بتزكية نفسه أخلاقياً وعارفانياً، فسيكون واقعاً في فخ “الأنا” و”الذاتية” الشخصية. سيكون واقعاً في أن يرى الحول والقوة من نفسه لا من الله. فكيف سيكون حال مثل هذا العبد؟ يقول: “لَا یُفْلِحُ إِذاً أَبَدا”؛ إذا عامل العبد نفسه بهذه الطريقة، فلن يفلح أبداً؛ لأنه عندما يرتكب المعاصي باستمرار، يصبح قلبه أسود ومظلماً، ويغلق جميع أبواب الهداية والرحمة على نفسه. من أين سيأتي الفلاح حينئذٍ؟ لذلك، يجب على الإنسان أن يكون شديد المراقبة لحاله، ولا يغفل عن المراقبة في أي حال، حتى بالنسبة للملابس التي يرتديها، فهناك آداب خاصة يجب مراعاتها أيضاً.
المصدر: كتاب العرفان الأهلبي في شرح “مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة”، الفصل السابع: اللباس – من مؤلفات آية الله محمد صالح الكميلي (حفظه الله).