الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

آداب وشروط الدعاء

هذا نص قيم للغاية من نفس المصدر، يتناول آداب وشروط الدعاء بتفصيل عرفاني. إليك الترجمة العربية:


آداب وشروط الدعاء

١. معرفة المُخاطَب، وكيفية الدعاء، والهدف منه

«قَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): احْفَظْ آدَابَ الدُّعَاءِ وَ انْظُرْ مَنْ تَدْعُو وَ کَیْفَ تَدْعُو وَ لِمَاذَا تَدْعُو» {١}

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “احفظ آداب الدعاء، وانظر مَن تدعو، وكيف تدعو، ولماذا تدعو”.

  • «وَ انْظُرْ مَنْ تَدْعُو» (مَن تُخاطِب؟): هذا أدب مهم؛ أن يعرف الإنسان مخاطبه الذي يطلب منه الحاجة، ويطلب منه بعد المعرفة. إدراك عظمة الله هو أحد آداب الدعاء.

  • «وَ کَیْفَ تَدْعُو» (كيف تدعو؟): أي أن صيغة الدعاء نفسها والحديث والمناجاة مع الله لها آداب. يجب التحدث مع الله بأدب.

  • «وَ لِمَاذَا تَدْعُو» (ما هو الهدف؟): أدب آخر هو الانتباه إلى هدفنا من الدعاء. أحياناً ينشأ الطلب لدى الإنسان بسبب حاجات صغيرة، بينما يجب على الإنسان أن يطلب الحاجات الكبيرة من الشخصية العظيمة (الله).

٢. تعظيم الله واليقين بعلمه بالضمائر

«وَ حَقِّقْ عَظَمَهَ اللَّهِ وَ کِبْرِیَاءَهُ» من الآداب الأخرى أنه يجب على المرء أن يستحضر عظمة الله وكبرياءه في قلبه عند الدعاء.

«وَ عَايِنْ بِقَلْبِکَ عِلْمَهُ بِمَا فِی ضَمِیرِکَ وَ اطِّلَاعَهُ عَلَى سِرِّکَ» عند الدعاء، يجب أن يحصل هذا اليقين للداعي بأن الله مُطَّلع على ما في قلبه، وسرّه مكشوف لله.

  • أي، لا نحتاج في الدعاء أن نُعلِّم الله بما نريده وما هي حاجاتنا؛ لأنه سبحانه يعلم مكنونات قلوبنا قبل أن ننطق بها.

«وَ مَا تُکِنُّ فِیهِ مِنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ» والله عليم بما نخفيه في قلوبنا من الحق والباطل. لذا، يجب أن ننتبه لئلا نطلب من الله أمراً باطلاً.

٣. معرفة سُبل النجاة والهلاك

«وَ اعْرِفْ طُرُقَ نَجَاتِکَ وَ هَلَاکِکَ» يجب على الإنسان أن يعرف طريق نجاته وهلاكه عند الدعاء؛ أي ألا يطلب من الله شيئاً يضره، ويسعى عند طرح الحاجة إلى التفكير: هل هذا في صالحه أم لا؟

ولهذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «کَیْ لَا تَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَیْ‏ءٍ عَسَى فِیهِ هَلَاکُکَ وَ أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ فِیهِ نَجَاتَکَ»

  • إذا كان الإنسان منتبهاً لخيره وشرّه وصلاحه وفساده، فلن يطلب من الله شيئاً قد يكون فيه هلاكه، بينما يظن هو أن فيه نجاته.

  • مثلاً، يطلب البعض من الله الثروة والمال، بينما طلب هذه الثروة مشروط: بأن تكون من حلال، وتُصرف في حلال، ويؤدَّى خمسها وزكاتها. وإذا طلب الإنسان مالاً كثيراً دون تفكير، فقد يكون ذلك سبباً في هلاكه.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَ یَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَیْرِ وَ کانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ {٢}

  • يقول الله تعالى: كم من البشر يحوّلون دعاء الخير إلى دعاء شر؛ أي يطلبون الشر بدلاً من الخير. وقد ضربنا مثالاً بأن المال قد يكون بلاءً على الإنسان.

  • لذلك، يجب على الإنسان عند الدعاء أن يقول: “يا رب إن كنت تعلم فيه مصلحتي فامنحني إياه”، ولا يطلب طلباً مطلقاً.

  • ويقول الله: ﴿وَ کانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾؛ الإنسان يطلب حاجته دائماً منا بعجلة وتسرّع.

  • دعاء الإنسان يشبه تقريباً طلب الطفل من والده، حيث يطلب الطفل أحياناً شيئاً لا يراه الأب في صالحه. يجب أن نكون حذرين لئلا نطلب شيئاً ليس في مصلحتنا.

٤. التفكير في نوعية الهدف والطلب

«وَ تَفَکَّرْ مَاذَا تَسْأَلُ وَ لِمَاذَا تَسْأَلُ» يقول الإمام الصادق (عليه السلام): يجب أن تفكر وتتدبر دائماً: ماذا تطلب من الله العظيم؟ وكذلك أن تكون منتبهاً: لماذا تطلب هذه الحاجة من الله؟ ما هو الهدف؟

  • إذا راعينا هذه الشروط، فإن طلباتنا من الله ستقل، ونكون قد راعينا آداب الدعاء.

«وَ الدُّعَاءُ اسْتِجَابَهُ الْکُلِّ مِنْکَ لِلْحَقِّ» إذا أردت أن تُكشَف لك حقيقة الدعاء، فيجب أن تعلم أن حقيقة الدعاء، والطلب والنداء لله، هي أن تذوب ذاتك كلها في الله.

«وَ تَذْوِیبُ الْمُهْجَهِ فِی‏ مُشَاهَدَهِ الرَّبِّ» عندما تطلب حاجة من الله، في الواقع يجب أن تُثبت فقرك وحاجتك. نرى بعض الناس يطلبون من باب الشبع والغنى (باطنياً)، ولم يدركوا فقرهم الذاتي؛ وهذا ليس من أدب الدعاء.

  • حقيقة الدعاء هي أنه عندما يطلب الإنسان شيئاً من خالقه، يجب أن يكون في فقر مطلق، وأن يكون قد أذاب روحه (مُهجته) بكليتها في مشاهدة ربه.

  • إذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الفناء، فقد لا ينطق بحاجته أصلاً؛ لأنه يعلم أن الله يعلم حاجته قبل أن ينطق بها، ويعلم مصلحة عبده وفساده؛ فإذا كانت في صلاحه، فسيعطيه إياها دون طلب.

  • ولذلك، يقول مولانا الرومي في أشعاره إن الداعين مجموعتان: مجموعة تذكر حاجاتها بلسانها، ومجموعة لا تذكر حاجاتها بلسانها، وتقول: “الله حاضر، ناظر، وعليم، ويعرف مصلحتنا، إن كانت مصلحة سيعطينا، وإن لم تكن فلن يعطينا؛ ونحن مُسلِّمون لإرادة الله“.

٥. ترك الاختيار وتفويض الأمور لله

«وَ تَرْکُ الِاخْتِیَارِ جَمِیعاً» من آداب الدعاء ألا تختار لنفسك، وألا تُصرّ على أنك تريد تلك الحاجة بالتحديد.

  • أولاً: لا تتعجّل في أن تُقضى حاجتك حتماً خلال أيام معدودة.

  • ثانياً: يجب أن تُفوّض أصل الحاجة إلى الله، وألا تُعمل إرادتك واختيارك في الحاجات التي تطلبها، بل قل: “يا رب، كما تريد أنت”.

«وَ تَسْلِیمُ الْأُمُورِ کُلِّهَا ظَاهِراً وَ بَاطِناً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» وأن تُسلّم جميع أمورك، الظاهرة والباطنة، لله تعالى عند الدعاء.


المصدر: كتاب العرفان الأهلبي في شرح “مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة”، الفصل ١٩: الدعاء – من مؤلفات آية الله الحاج شيخ محمد صالح الكميلي (حفظه الله).

جدول المحتويات