الشكر ومراتبه
«وَ أَدْنَى الشُّکْرِ رُؤْیَهُ النِّعْمَهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى» يقول الإمام الصادق (عليه السلام): أدنى مراتب الشكر هو أن ترى النعمة من الله تعالى لا من البشر.
«مِنْ غَیْرِ عِلَّهٍ یَتَعَلَّقُ الْقَلْبُ بِهَا دُونَ اللَّهِ عز وجل» أن ترى النعمة من الله تعالى دون أن يكون القلب متعلقًا بعلّة (سبب) غير الله عز وجل؛ أي ألا تقول إن هذه النعمة من الله ومن غيره أيضاً. بل يجب أن يكون تعلق قلبك به وحده. {١}
«وَ الرِّضَا بِمَا أَعْطَى» المرتبة الأخرى هي أن ترضى بما قسمه وقدّره الله لك من رزق ونعمة، وألا تعترض أو تتساءل.
«وَ أَنْ لَا تَعْصِیَهُ بِنِعْمَتِهِ وَ تُخَالِفَهُ بِشَیْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ» مرتبة أخرى من الشكر هي ألا تعصي الله، وألا تُقصّر في طاعته (أوامره) واجتناب نواهيه.
-
أن تفعل ما أمر الله به، وأن تغيب تماماً عن ما نهى عنه.
-
ما علاقة ذلك بشكر النعمة؟ العلاقة هي: إذا أردت أن تعصي، فبأي شيء تعصي؟ من الواضح أنك تعصي بـنعمة الله؛ لأن كل ذنب نرتكبه – سواء كان كبيراً أو صغيراً – يتم بواسطة نعم الله؛ فهو الذي يعطينا النفس والحياة. حينئذ، إذا أردت أن ترتكب الذنب والمعصية ببدن وهبه الله لك، فمن المؤكد أن هذا يتعارض مع الشكر.
-
شكر النعمة هو أن تصرف النعمة في طريق محبوبك (الله)، وليس في مخالفته.
«فَکُنْ لِلَّهِ عَبْداً شَاکِراً عَلَى کُلِّ حَالٍ» فالواجب عليك أن تكون عبداً شكوراً لله على كل حال. فإذا فعلت ذلك:
«تَجِدِ اللَّهَ رَبّاً کَرِیماً عَلَى کُلِّ حَالٍ» حينها، وكما أنك دائم الشكر لله، فإنه أيضاً لن يمتنع عن كرمه وفضله عليك وسيعطيك.
الشكر هو أفضل العبادات
«وَ لَوْ کَانَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهٌ یَتَعَبَّدُ بِهَا عِبَادُهُ الْمُخْلَصُونَ أَفْضَلَ مِنَ الشُّکْرِ عَلَى کُلِّ حَالٍ لَأَطْلَقَ لَفْظَهً فِیهِمْ مِنْ جَمِیعِ الْخَلْقِ بِهَا فَلَمَّا لَمْ یَکُنْ أَفْضَلُ مِنْهَا خَصَّهَا مِنْ بَیْنِ الْعِبَادَاتِ وَ خَصَّ أَرْبَابَهَا فَقَالَ: ﴿وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ﴾ {٢}»
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) بخصوص أفضلية الشكر وتفوقه:
-
“إن الله قال: ﴿وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ﴾” (و قليل من عبادي الشكور).
-
في وسط هذا الكم الهائل من البشرية، هناك عدد قليل ينتبهون لهذه النعم كلها من جانب الله ويشكرونها.
-
هنا نرى أنه بناءً على هذه الآية القرآنية، جاءت كلمة “عبادي”؛ أي أن الله خصّص جماعة من بين هذه البشرية كلها، وقال إن قلة قليلة هم الشكورون.
-
إذا أصبحت أنت جزءاً من هذه الفئة “عباد الله الشاكرين”، فهل تعلم ما الذي فعلته؟ ستكون ضمن العناية الخاصة لله – التي وردت في القرآن بقوله: أنت عبدي الشكور – وستكون جزءاً من هذه الأقلية الممتازة.
-
يتضح إذن أن مسألة الشكر لها أهمية عند الله لدرجة أنه ذكرها كمسألة خاصة، وهي أعلى من جميع العبادات.
-
“فَلَمَّا لَمْ یَکُنْ أَفْضَلُ مِنْهَا خَصَّهَا مِنْ بَیْنِ الْعِبَادَاتِ” (فلما لم يكن أفضل منها خصّها من بين العبادات). خصّ الله الشكر من بين جميع العبادات وقال: ﴿وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ﴾. يجب الانتباه إلى هذه النقطة.
“از دست و زبان که بر آید کز عهدۀ شکرش به در آید” {٣} (أي: كيف يتسنى لليد واللسان أن يؤديا حقه كاملاً / كيف يخرج من عهدة شكره؟)
كمال الشكر في الاعتراف بالعجز عن أدائه
«وَ تَمَامُ الشُّکْرِ الِاعْتِرَافُ بِلِسَانِ السِّرِّ خَالِصاً لِلَّهِ بِالْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ أَدْنَى شُکْرِهِ»
-
تمام وكمال شكر العبد لله هو أن يعترف بلسان سرّه، وليس بلسان الجهر؛ أي بلسان سرّ سرّ باطنه؛ لأن الله ينظر إلى لسان سرّ السرّ.
-
أن يأتي بذلك اللسان أمام الله ويعترف بإخلاص: “يا إلهي! أنت تعلم أنك أعطيتني من النعم ما لا أستطيع معه أن أؤدي شكرك”.
-
“بِالْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ أَدْنَى شُکْرِهِ” (بالعجز عن بلوغ أدنى شكره): أنك لا تستطيع أن تؤدي أدنى شكرك.
«لِأَنَّ التَّوْفِیقَ فِی الشُّکْرِ نِعْمَهٌ حَادِثَهٌ یَجِبُ الشُّکْرُ عَلَیْهَا» يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في دليل العجز عن أدنى حدود الشكر:
-
لأن مجرد أن وفقك الله لتقول مرة واحدة: “اللهم لك الشكر”، “اللهم لك الحمد”، “الحمد لله رب العالمين”، “الحمد لله”، فإن هذا في حد ذاته يُنشئ شكرًا آخر.
-
هذا الشكر نفسه يُنشئ شكرًا آخر، وجميع العقلاء يقولون من الناحية العقلية: يجب أن تشكر على هذا الشكر أيضاً.
-
لكن السؤال هو: متى ينتهي هذا الشكر؟ بما أن الله لا نهائي، فإننا نعترف في النهاية بالعجز المطلق وكفى.
«وَ هِیَ أَعْظَمُ قَدْراً وَ أَعَزُّ وُجُوداً مِنَ النِّعْمَهِ الَّتِی مِنْ أَجْلِهَا وُفِّقتَ لَهُ» يقول الإمام: إن إظهار العجز والضعف في حضرة الله، وأن تقول بـمعرفة: “يا إلهي، أنا لا أستطيع أن أؤدي شكرك”، هذا أعلى من النعمة الأصلية التي وُفقت للشكر عليها؛ أي أعلى من تلك النعمة الأولية التي منحك الله إياها.
-
إذا أظهرت هذا العجز بـمعرفة وإخلاص في حضرة الله، فهذا أعلى من أصل تلك النعمة.
-
هذا يدركه فقط أهل المعنى والتوجه والعرفان.
«فَیَلْزَمُکَ عَلَى کُلِّ شُکْرٍ شُکْرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ إِلَى مَا لَا نِهَایَهَ لَهُ» فمن الواجب عليك أن تؤدي شكرًا أعظم على كل شكر، وتستمر هذه السلسلة إلى ما لا نهاية.
«مُسْتَغْرِقاً فِی نِعَمِهِ عَاجِزاً قَاصِراً عَنْ دَرْکِ غَایَهِ شُکْرِهِ» يقول الإمام الصادق (عليه السلام): أنت غارق في نعم الله، من رأسك حتى قدميك، وأنت عاجز وقاصر عن إدراك غاية شكره.
-
من يستطيع أن يدرك شكر الله أصلاً؟ عزيزي! الحديث ليس عن نعمة أو نعمتين، أنت تريد أن تشكر الله، لا عبد الله. هل يمكن شكر المنعم العظيم؟
-
«فَأَنَّى یَلْحَقُ الْعَبْدُ شُکْرَ نِعْمَهِ اللَّهِ» (فكيف يلحق العبد شكر نعمة الله؟): فكيف يؤدي العبد شكر مثل هذا الرب العظيم الذي وهبه كل هذه النعم العظيمة؟
-
«وَ مَتَى یَلْحَقُ صَنِیعُهُ بِصَنِیعِهِ» (ومتى يلحق صنعه بصنعه؟): أين صُنع الله وأين شُكر العبد؟
-
«وَ الْعَبْدُ ضَعِیفٌ لَا قُوَّهَ لَهُ أَبَداً إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى» (والعبد ضعيف لا قوة له أبداً إلا بالله تعالى): هذا العبد ضعيف وذليل لله. ليس لديه قوة وحول إلا بقوة وحول الله. لولا تلك القوة الإلهية لما وُجد هذا العبد.
-
«وَ اللَّهُ تَعَالَى غَنِیٌّ عَنْ طَاعَهِ الْعَبْدِ» (والله تعالى غني عن طاعة العبد): الله غني أصلاً؛ سواء شكرته أم لم تشكره، صليت أم لم تصلِ، فالله غني. أنت المحتاج الذي يجب عليه أن يصلي ويشكر.