هذا المقطع يركز على الآداب العرفانية للسجود وكيفية تحقيقها، وهو من شرح “مصباح الشريعة”. إليك الترجمة العربية:
آداب السجود العرفاني وطريق تحصيله
فَاسْجُدْ سُجُودَ مُتَوَاضِعٍ ذَلِیلٍ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ یَطَؤُهُ الْخَلْقُ وَ أَنَّهُ رُکِّبَ مِنْ نُطْفَهٍ یَسْتَقْذِرُهَا کُلُّ أَحَدٍ وَ کُوِّنَ وَ لَمْ یَکُنْ، وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ مَعْنَى السُّجُودِ سَبَبَ التَّقَرُّبِ إِلَیْهِ بِالْقَلْبِ وَ السِّرِّ وَ الرُّوحِ؛ فَمَنْ قَرُبَ مِنْهُ، بَعُدَ مِنْ غَیْرِهِ. أَلَا یَرَى فِی الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا یَسْتَوِي حَالُ السُّجُودِ إِلَّا بِالتَّوَارِي عَنْ جَمِیعِ الْأَشْيَاءِ وَ الِاحْتِجَابِ عَنْ کُلِّ مَا تَرَاهُ الْعُيُونُ؟! کَذَلِكَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَ الْبَاطِنَ. {١}
الشرح التفصيلي
نسأل الإمام الصادق (عليه السلام): كيف نسجد؟ فيقول:
«فَاسْجُدْ سُجُودَ مُتَوَاضِعٍ لِلَّهِ ذَلِیلٍ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ» إذا أردت السجود، يجب أن تسجد بـجودة عالية، كسجود من وجد تواضعاً روحياً حقيقياً في حال السجود؛ أي أن يدرك ذلته وهوانه في مقابل تلك العظمة. إنه يدرك ويعلم العظمة والكبرياء لله من جهة، وذلته ومهانته من جهة أخرى؛ يدرك الأمرين معاً.
كيف يتحقق هذا السجود العرفاني؟ «عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ یَطَؤُهُ الْخَلْقُ» يصل إلى هذه المعرفة: أنني خُلقت من تراب وطين. ما هو التراب؟ هذا التراب هو التراب الذي يدوس عليه خلق الله بأحذيتهم وأقدامهم. هذا التراب لا يحمل كبراً، ولا غروراً، ولا تعالياً. عندما تعلم أنت بنفسك أنك كنت تراباً وخُلقت من تراب، فلأي شيء ولمَن تريد أن تتكبر؟ أنت تراب، تراب يدوس عليه جميع الناس بأحذيتهم وهم يمشون.
«وَ أَنَّهُ اتَّخَذَکَ مِنْ نُطْفَهٍ یَسْتَقْذِرُهَا کُلُّ أَحَدٍ» هنا يجب الانتباه إلى ثلاثة أمور:
-
الأول: أننا خُلقنا من تراب.
-
الثاني: أننا خُلقنا من نطفة. كيف هي هذه النطفة؟ «یَسْتَقْذِرُهَا کُلُّ أَحَدٍ»؛ نطفة يتقزز وينفر منها الجميع، يشمئز منها كل من يشم رائحة المني. أيها الإنسان، أنت خُلقت من قطرة المني المنتنة هذه، أفلا تريد أن تسجد؟ أفلا تريد أن تخضع لله؟
-
الثالث: «وَ کُوِّنَ وَ لَمْ یَکُنْ»؛ يجب الانتباه إلى هذه النقطة أيضاً: أننا لم نكن ووُجدنا، كنا عدماً وهو الذي أوجدنا. من كان أصله العدم، فبأي شيء يريد أن يفتخر؟ وبأي شيء يريد أن يتباهى ويتعالى؟!
«وَ لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مَعْنَى السُّجُودِ سَبَبَ التَّقَرُّبِ إِلَیْهِ بِالْقَلْبِ وَ السِّرِّ وَ الرُّوحِ» هذا السجود يحمل الكثير من الأسرار. جعل الله السجدة وسيلة ليتقرّب إليه عباده، وإلا فما فائدة السجود الظاهري؟ حتى القرد يسجد، والحيوانات أحياناً تضع رؤوسها على الأرض. هذا ليس دليلاً. يجب أن نرى: هل يتحقق القرب في السجود أم لا؟
متى وأين يجب أن نجد هذا القرب؟ يقول: «بِالْقَلْبِ وَ السِّرِّ وَ الرُّوحِ»:
-
أولاً: يجب أن يسجد القلب، وأن يتقرّب قلبنا إلى الله ببركة هذا السجود.
-
ثانياً: بـالسرّ (وهو أعمق من القلب).
-
ثالثاً: بـالروح؛ يجب أن يسجد وجودنا كله له.
-
أما إذا كان ظاهر الجسد يركع ويسجد، ينحني ويرتفع، ولكن لا يوجد أثر لذلك في القلب والروح والسر والباطن، فهنا لا يكون هذا السجود سجوداً معرفياً (عرفانياً).
«فَمَنْ قَرُبَ مِنْهُ بَعُدَ عَنْ غَیْرِهِ» يجب أن تنظر: إذا كنت تسجد، فيجب أن تقترب من الله في السجود الحقيقي. إذا اقتربت من الله، فيجب أن تبتعد عن غير الله؛ لذا يجب أن تختبر هذه الحالة في نفسك وترى هل هي كذلك أم لا؟ عندما تقترب من الله، هل يصبح قلبك فارغاً لله؟ هل يفرغ هذا القلب من غير الله أم لا؟ إذن لدينا قرب وبُعد: قرب لله، وبُعد عن غير الله.
حقيقة السجدة
«أَلَا تَرَى فِی الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا یَسْتَوِی حَالُ السُّجُودِ إِلَّا بِالتَّوَارِي عَنْ جَمِیعِ الْأَشْیَاءِ» يوضح الإمام الصادق (عليه السلام) حقيقة السجدة في هذا الجزء. يقول: ألا ترى في الظاهر متى تسجد؟ السجود يكون عندما تضع رأسك على التراب؛ وحين تضع رأسك على الأرض، لا تكون عينك ورأسك مرتفعين، ولا ترى أحداً؛ أي أنك دخلت في حالة إخفاء وحجاب.
-
عندما تدخل في حالة إخفاء وتُخفي نفسك عن جميع الأشياء في السجدة، فما معنى ذلك الإخفاء؟
-
أنك تُخفي نفسك عن كل ما تراه العيون، لمن تفعل ذلك؟
هنا يجب أن نفهم “لمن تفعل؟”، إذا فهمنا هذا انتهى الأمر. «وَ الْإِحْتِجَابِ عَنْ کُلِّ مَا تَرَاهُ الْعُیُونُ» السجود يعني: الاستتار والاحتجاب عن كل شيء تراه أعين الناس.
«کَذَلِكَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَ الْبَاطِنَ» من هذا نستكشف أن الله أراد أن يعلّمنا السجود بهذه الطريقة، لكي نفصل الأمر الباطن عن الظاهر، ونتوجه إلى الأمر الباطن.
-
السجود يعني الباطن، لا الظاهر؛ أولئك الذين يسجدون سجوداً ظاهرياً لا يملكون الباطن.