الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

أهمية التفكر

هذا مقطع مهم يركز على أهمية التفكر في السير والسلوك، ويُسلط الضوء على ضرورة مراقبة الأفكار، مع إيراد مثال عملي على التفكر وهو التفكر في الموت.

إليك الترجمة العربية للنص:


أهمية التفكر

يصبح أهل الفكر والتفكر في السير والسلوك إلى الله عبادًا خاصّين لله؛ أي أن الله قد وضع نوراً من التوحيد في قلوبهم، ليكون مصدراً لجعلهم دائمي التفكير. إن مسألة التفكر في الطريقة (السلوك الروحي) هي مسألة أصلية، أساسية، وبنائية، ويجب ألا ننظر إليها بسطحية وعادية.

  • للسالكين المبتدئين نوع من التفكر، وللمتوسطين نوع آخر، والذين يصلون إلى نهايات المراتب لديهم كيفية أخرى من التفكر.

  • لا يمكن لأي شخص أن يقول: أنا في غنىً عن التفكر.

  • كما تعلمون جميعاً، فإن التفكر أفضل حتى من العبادات العملية.


ضرورة التحكم ومراقبة التفكرات الهابطة والعبثية

قلنا إن الموضوع الأول في التفكر هو: في أي شيء نفكر؟ وكيف تكون كيفية التفكر؟ لأنني أُشير إلى هذه النقطة: إذا لزمنا الصمت دون تفكّر، فهذا كالقيام بالصلاة الجافة بدون حضور قلب.

  • مسألة الصمت والسكوت هي من لوازم هذا الطريق، ويجب على المبتدئ أن يتدرب ليعوّد نفسه على السكوت وقلة الكلام.

  • لكن إذا سكت، يجب أن ينظر: إلى أين يذهب جهاز تفكيره وتعقّله؟ وأين يجول؟ يجب أن يوقف هذا التجوال.

  • إذا كان هذا الفكر يتجه إلى أماكن لا ينبغي له أن يذهب إليها، فيجب أن يأخذ بزمامه ويعيده إلى الطريق، ولا يدعه يتشتت ويدخل في أودية تزيد من ابتعاده عن الله.

  • مثلاً: أن يتجسس على أحوال الأصدقاء الجالسين في الجلسة: كيف حال فلان؟ أين فلان؟ كيف هي حياته وعمله؟ ما علاقة ذلك بك؟ لقد أتيت إلى مجلس الله، ويجب أن تستفيد من مجلس الله.

  • (أو أن) تفكر: أين سأذهب غداً؟ ماذا سأفعل؟ كيف هو عملي؟

هل أتيت إلى هنا لتتعلم هذه الأحاديث؟ ألا يجب أن نستحي ونخجل من الله بأننا في مجلسه، بينما فكرنا يذهب يمنة ويسرة؟ كيف يمكننا أن نُشغل فكرنا بمسائل دنيوية تافهة لا قيمة لها في محضر الله الذي “عَلِيمٌ بِمَا فِي الصُّدُورِ” والذي يعلم سرّنا المكتوم؟ كيف سنجيب الله؟

  • نحن نعتقد أن الله حاضر وناظر ومُصاحب لنا، ومُطّلع على بواطننا وظواهرنا. ألا يجب علينا أن نستحي ونخجل ونمتنع عن إدخال أي شيء إلى أذهاننا وأفكارنا؟

  • هذا القلب الذي هو بيت الله، هذا القلب الذي يجب أن يكون طاهراً نقياً، ذهبياً، صافياً وعذباً، لماذا نُنجّسه؟ لماذا ندخل فيه الأفكار الخبيثة ونُلوّثه؟

  • هنا يُعلّمنا الإمام الصادق (عليه السلام) كيف نفكر.


التفكر في الموت

«اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْیَا» {١} أعزائي! هذا هو التفكر في الموت، الذي يُعد من أوجب الأمور بالنسبة للسالك المبتدئ.

  • يجب أن تجلس وتفكر في الموت ومراحله حتى يصبح قلبك القاسي والمظلم نورانيًا، شفافًا، وصافيًا.

  • لأن المسائل الروحية هي مسائل شفافة، خفية، ولطيفة، وليست خشنة. لذلك، يجب أن تُصفّي روحك بالتفكر في الموت.

التفكر في الموت يُحرك الإنسان؛ أي إذا عرفنا منهج التفكر، فإنه يُخرج النفس من الغفلة.

«اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْیَا هَلْ بَقِیَ عَلَى أَحَدٍ» خذ العبرة لوضعك الحالي والمستقبلي من ما مضى من الدنيا.

«هَلْ بَقِیَ عَلَى أَحَدٍ» اسأل نفسك: هل بقي أحد من السابقين، الآباء، الأجداد، السلاطين، والملوك؟

  • وخاصة الأقربين جداً؛ مثل زوجة الرجل التي يموت ويقوم هو بدفنها بيديه، زوجة عاش معها أربعين أو خمسين سنة. عندما ترى زوجتك التي كانت معك في كل حال، وأم لأولادك، لكنها سبقتك في الرحيل، فماذا تريد أقرب من هذا أيها العزيز؟

  • قليل من التفكر في الموت يُدخلك في الوادي المعنوي ويُخرجك من التعلقات، ولذلك هو دواء جيد جداً ونافع ومؤثر لـدفع الغفلة.

  • ابدأ بالتفكر فيمن كان لديك معهم صداقة ومعاشرة وزيارات من أقاربك.

«هَلْ بَقِیَ عَلَى أَحَدٍ» تفكر في ما مضى من الدنيا: هل استطاعت هذه الدنيا أن تُبقي أحداً حتى الآن؟

«هَلْ أَحَدٌ فِیهَا بَاقٍ» انظر وفكر: كم أتى وذهب في هذه الدنيا، هل هناك أحد باقٍ فيها؟

«مِنَ الشَّرِیفِ» من أولئك الذين كانوا من الطبقة الراقية جداً، ملوكاً وعاشوا حياة ملوكية.

«وَ الْوَضِیعِ» أي أولئك الذين كانوا منخفضين جداً من حيث المكانة الاجتماعية، ولا أحد يعرفهم، وكانت أوضاعهم المالية والعائلية ضعيفة، هؤلاء أيضاً رحلوا. الآن، لقد ذهب الشريف والوضيع، ولم تفرق الدنيا بينهما.

«وَ الْغَنِیِّ وَ الْفَقِیرِ» كذلك لا تفرق بين الفقير والغني.

«وَ الْوَلِیِّ وَ الْعَدُوِّ» سواء كان صديقاً أو عدواً؛ هذه الدنيا غادِرة منذ بدء الخليقة (منذ آدم عليه السلام) وإلى الآن وإلى ما بعده.

«فَکَذَلِكَ مَا لَمْ یَأْتِ مِنْهَا بِمَا مَضَى» لقد جلست وفكرت في الماضي ورأيت أن الأمر هو حقاً كما قاله الإمام الصادق (عليه السلام)؛ الآن تريد أن ترى كيف سيكون المستقبل. يقول الإمام (عليه السلام): افهم المستقبل من الماضي؛ أي إذا كانت سُنّة الدنيا وطريقتها هكذا في الماضي، فستكون كذلك في المستقبل أيضاً.

«فَکَذَلِكَ مَا لَمْ یَأْتِ مِنْهَا بِمَا مَضَى» شَبِّه ما لم يأتِ بعد بما مضى، فسترى أن الأمر لا يختلف. ثم يضرب الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً جيداً:

«أَشْبَهُ مِنَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ» الماء يُشبه الماء؛ الماء هو ماء، سواء كان ماء بحر أو بحيرة أو نهر، فاسمه ماء وهو ماء في كل مكان. المياه التي كانت في الماضي موجودة الآن، وستكون موجودة لاحقاً. يحفر الإنسان الأرض فيخرج الماء. يرى الماء بجانب الأنهار، يرى الماء في المنازل. ما الفرق بين الماء والماء؟ المياه من الينابيع والثلج كانت موجودة في الماضي وستستمر إلى الأبد. الإنسان أيضاً مثل الماء، واحد يأتي وواحد يذهب.

لذا، لماذا نتشاجر ونتقاطع ونغضب على دنيا يومين؟ بما أن سنّة الدنيا هي هكذا دائماً، فما القيمة التي تستحق أن نُعلّق أنفسنا بها في الدنيا؟ إذا أردنا أن نُعلّق أنفسنا، فليكن ذلك على المسائل الأخروية والروحية.

جدول المحتويات