الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

في ذم التعلق القلبي بالدنيا

في ذم التعلق القلبي بالدنيا {١}

«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): حُبُّ الدُّنْیَا رَأْسُ کُلِّ خَطِیئَهٍ» {٢}

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن التعلق بالدنيا ومحبتها في القلب هو رأس وكل خطأ وذنب؛ أي عندما تستأصل جذور المعاصي والذنوب، تجد أن جذرها هو محبة الدنيا التي أوقعت الإنسان في الذنب. ولكن إذا أفرغت قلبك من محبة الدنيا، فلن تسعى للوقوع في الذنب أيضاً.

«أَ لَا تَرَى کَیْفَ أَحَبَّ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَ أَیُّ خَطِیئَهٍ أَشَدُّ جُرْماً مِنْ هَذَا» ثم يقول: ألا ترى كيف أن هؤلاء الذين يسعون خلف الدنيا يُحبون شيئاً هو مبغوض في نظر الله؟ وأي ذنب يكون أعظم إجراماً من أن يُحب المرء شيئاً هو مبغوض عند الله؟

التفريق بين الدنيا المذمومة واستخدام أدواتها:

لقد ذكرنا هذه النقطة مراراً، وهي أن المقصود من “الدنيا” هو التعلق القلبي بها، وإلا فنحن موجودون في هذه الدنيا ونحتاج إلى الأدوات الموجودة فيها، نحتاج إلى المسكن، وإلى وسائل المسكن، وإلى السيارة، وإلى السفر. حتى أن مولانا علي (عليه السلام) قال: يجب على أصدقاء الله أن ينتفعوا من نعم الدنيا. {٣}

إذن، ما يمنع تقدم السالك في سيره وسلوكه هو تعلق قلبه بهذه الدنيا وأدواتها ووسائلها. وعلامة ذلك هي: إذا فُقِد شيء منها في وقت ما، يجب أن ترى: هل يحزن قلبك أم لا؟

  • إذا حزنت، فمعلوم أنك كنت تُحب الدنيا في قلبك.

  • أما إذا لم تحزن، فمعلوم أن قلبك لم يكن مرتبطاً بهذه الدنيا التي فقدتها.

«قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَیْتِ (علیهم السلام): لَوْ کَانَتِ الدُّنْیَا بِأَجْمَعِهَا لُقْمَهً فِی فَمِ طِفْلٍ لَرَجَمْنَاهُ» قال بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام): “لو كانت الدنيا بأكملها لقمة في فم طفل”، بحيث يمكنك أن تأخذ لقمة الدنيا هذه من فم الطفل بسهولة وتتملكها لنفسك، “لكنا رجمناها” (أي رميناها ولم نلتفت إليها أبداً).

«فَکَیْفَ حَالُ مَنْ نَبَذَ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِی طَلَبِهَا وَ الْحِرْصِ عَلَیْهَا» يقول: فكيف حال ذلك الذي يُلقي كل الحدود والحرمات الإلهية وراء ظهره ويُعرض عنها، من أجل أن يصل إلى دنيا أيام معدودة؟ وترى البعض يضربون بكل السبل، ويتبعون بشدة، ويحرصون ويطمعون في مناصب الدنيا.

«وَ الدُّنْیَا دَارٌ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى سُكْنَاهَا لَرَحِمَتْكَ وَ لَأَحَبَّتْكَ» لو كانت الدنيا شيئاً جيداً، لبقيت فيها ولم تمت، ولرحمتك. نحن نرى أن مشاكل الساعين وراء الدنيا أكثر بكثير من أولئك الذين لا يتعلقون بها؛ إذن الدنيا والزمان لا يرحمان الإنسان. ورد في الرواية: اترك الدنيا، وهي تأتي إليك بنفسها.

«وَ لَأَحَبَّتْكَ» لو كانت الدنيا بيتاً جيداً، لكانت تحبك وتُقبِل عليك.

«وَ أَحْسَنَتْ وَدَاعَكَ» وودّعتك بأحسن وجه ولطف عند الفراق والوداع. لكن الأمر ليس كذلك؛ فأنت تترك كل شيء وتخرج من هذه الدنيا خالي اليدين.


ملاحظات وإشارات الشارح:

  • {١} مقصود الشارح: المقصود من الدنيا المذمومة أعم من الدنيا الحلال والحرام، إذا لم يكن السالك قد وصل بعد إلى مرحلة العشق الشديد والتوحيد الإلهي (حيث يتغير حكم التعامل مع الدنيا للمؤمن الكامل).

  • {٣} قول الإمام علي (ع): الإمام (عليه السلام) يصف المؤمنين بأنهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون ويتزوجون ويركبون من أفضل ما يأكل ويشرب ويلبس ويسكن… أهل الدنيا؛ أي أنهم يستفيدون من نعم الدنيا بشكل صحيح (كوفي أهوازي، الزهد، ص ٤٧).

جدول المحتويات