الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

الدنيا الممدوحة والدنيا المذمومة

الدنيا الممدوحة والدنيا المذمومة {١}

تُصوَّر الدنيا في لغة أهل البيت (عليهم السلام) على شكلين: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة.

  • أغلب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وخطب نهج البلاغة، والآيات القرآنية، وردت في ذم الدنيا. عندما تقرأ خطب الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة، تجد مراراً أنه يذم هذه الدنيا الماكرة الغدّارة على منبر مسجد الكوفة، ويُحذّر الناس من الاقتراب منها والتعلق بها.

  • بالطبع، لدينا روايات أيضاً ورد فيها مدح وإطراء للدنيا، وإن كانت قليلة جداً.

إن مقصود الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الباب هو الدنيا المذمومة، وليس الممدوحة. سنبدأ أولاً بالحديث عن الدنيا الممدوحة، ثم ننتقل إلى كلام الإمام الصادق (عليه السلام) الذي شرح فيه الدنيا المذمومة.

تعريف الدنيا الممدوحة

الدنيا الممدوحة، كما يُستفاد من كلام الإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام)، هي:

  • دنيا مليئة بالعبرة، وهي دنيا لا تؤدي إلى اللهو واللعب، ولا الغفلة والمعصية.

  • إذا استطاع الإنسان أن يتعايش مع دنيا لا تُشكّل عائقاً له في أداء الفرائض الإلهية والسنن والسير إلى الله، فإن هذه الدنيا غير مستقبحة، بل ممدوحة.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحدى حِكم نهج البلاغة {٢}: “الدنيا لأولياء الله”؛ أي أنه يليق بـأولياء الله وسالكي طريقه أن يتمتعوا بنعم الدنيا، من الفواكه، والملابس، والطعام، والنكاح، وكل ما يمثل مزايا هذه الدنيا. بينما المجموعات والطوائف والأديان الأخرى، إذا استهلكت من الدنيا، فإن استهلاكها وانتفاعها يكون بغير حق.

والسبب في ذلك: هو أن مُحبي الله قد فهموا هدف الخلقة. إنهم يدركون لماذا خُلقوا، ولماذا جاءوا إلى هذه الدنيا؛ لديهم اعتقاد بالمبدأ والمعاد، واعتقاد بعالم ما بعد الموت. هؤلاء يسيرون على الخط المستقيم، وهو الخط الذي يريده الله منهم. فإذا كان الأمر كذلك، فهؤلاء هم الأجدر باستخدام نعم الله.

أما الكافر الذي لا يقبل أصل الله وأصل المبدأ، فإنه يعيث في هذه الدنيا ويأكل ويسلب الثروة ويستفيد منها.


حكمة التضاد في نظام الخلقة

بالطبع، يوجد تضاد في نظام الخلقة وهو مقتضى أصول الحكمة؛ يقولون: يجب أن يكون في هذه الدنيا كافر ومسلم، شيطان وجبرائيل؛ وذلك لأننا يجب أن نُختبر في هذه الدنيا.

  • إذا لم تكن هناك معصية، فكيف تثبت أقدامنا في طاعة الله وعبادته؟

  • إذا لم يكن هناك كفر، فكيف نفهم طريق الحق؟

  • إذا لم يكن هناك شر، فكيف يُفهم الخير؟

  • إذا لم تكن هناك ظلمة، فكيف نفهم النور؟

هذا التضاد يجب أن يكون في هذا العالم. ولكن قولنا هو: أن الدنيا، طبقاً لقول الإمام علي (عليه السلام)، تليق بأولياء الله؛ أي أن التقصير، والتعمد، والمسؤولية تقع على عاتق أولئك الذين لا يسيرون كأولياء الله، ولا يفهمون طريق الحق، ولا تكون أعمالهم وفقاً لقول الله. في الواقع، هم ظالمون، ومستبدون، ومخالفون، وعاصون، وقد اختاروا هذا الطريق بإرادتهم. وإلا فطريق الهداية مفتوح للجميع؛ لذا، فالكافرون مستحقون لنقمة الله وعذابه.

تأكيد شايقية المؤمنين بالدنيا: وتأكيداً للنقطة التي ذكرناها بشأن استحقاق المؤمنين لنعم الدنيا، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

«سَکَنُوا الدُّنْیَا بِأَفْضَلِ مَا سُکِنَتْ وَ أَکَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ شَارَکُوا أَهْلَ الدُّنْیَا فِی دُنْیَاهُمْ أَكَلُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا یَأْکُلُونَ وَ شَرِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا یَشْرَبُونَ وَ لَبِسُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا یَلْبَسُونَ وَ سَکَنُوا بِأَفْضَلِ مَا یَسْكُنُونَ وَ تَزَوَّجُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا یَتَزَوَّجُونَ وَ رَکِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا یَرْكَبُون» {٣}

إن المؤمنين ومُحبي الله يستحقون أن يتمتعوا بالمرأة الصالحة في هذه الدنيا، وبالفواكه الجيدة، والمأكولات والمشروبات، وأفضل المساكن، وكذلك الأدوات والوسائل التي يحتاجها الإنسان في هذه الدنيا. الدنيا لا تليق بـمُنكر الله، ولا تليق بمن يعصون أوامره، ولم تُخلق لهم.

حتى أن الله عز وجل يقول في حق المؤمنين في الحديث القدسي:

«عَبْدِي خَلَقْتُ الْأَشْيَاءَ لِأَجْلِكَ وَ خَلَقْتُكَ لِأَجْلِي» {٤} يا عبدي! كن منتبهاً أنني خلقتك لي (لأجلي)، وخلقت الأشياء لأجلك (الدنيا وما فيها). فلا تُخطئ وتأخذ الدنيا بدلاً من الله؛ إياك أن تسلك طريقاً خاطئاً.

  • الغاية من الخلقة هي معرفة الله والوصول إلى لقاء الله.

  • لذلك، أولئك الذين يسيرون في طريق لقاء الله يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الدنيا؛ إذا حصلوا على مال، يعرفون أن عليهم إخراج زكاته وخمسه، بل ينفقون صدقات مستحبة. إنهم يعرفون كيف يعيشون في هذه الدنيا وكيف ينتفعون منها.


الدنيا المذمومة

هذه هي الدنيا الممدوحة التي وردت في بيانات الإمام علي (عليه السلام).

أما الدنيا المذمومة، فكما ذكرت، فقد عُرض لها بكثرة، وشرط السير والسلوك هو أنه يجب على سالك طريق الله، رغم استخدامه للنعم الإلهية، ألا يكون مُتعلقاً بـالنعم الظاهرية لله في هذه الدنيا. عليه أن يأخذ من النعم ويستخدمها، ولكن قلبه يجب أن يكون بيت الله فقط، وألا يتعلق بهذه المظاهر وزينة الدنيا.

جدول المحتويات