مكانة القناعة في الوصول إلى الراحة
قال الصادق (عليه السلام): «وَ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فِی كُتُبِ الْأَوَّلِینَ مَكْتُوبٌ: یَا قَنَاعَةُ! الْعِزُّ وَ الْغِنَى مَعَكِ فَازَ مَنْ فَازَ بِكِ» {١}
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): وهب بن مُنَبِّه مؤرخ مُطّلع على الكتب، يقول: في كتب الأولين والآخرين كُتبت هذه الجملة (وإن لم تكن بنفس اللفظ، فالمضمون واحد): “يا قناعة! أين أنتِ؟ يا قناعة! تعالي؛ فالعز والثروة والغنى معكِ. لقد فاز مَن فاز بكِ”.
-
أي أن القناعة تُعد رأس مال كبير لأهلها.
-
إذا كان الزوج والزوجة متوافقين، ولا يتنافسان (عينًا بعين)، ولا يقارنان حياتهما بالآخرين باستمرار، فستكون حياتهما مريحة ومليئة بالسكينة.
يجب ألا نقارن حياتنا أبداً: “فلان هكذا، إذن يجب أن نكون نحن كذلك”. ويجب أن نُعلّم زوجاتنا ألا يكن كذلك. هل جميع الناس متساوون في الرزق؟ هل جميع الناس متساوون في متطلبات الحياة حتى أقارن نفسي بفلان؟
-
إذن، طبقاً لهذا القول، القناعة مسألة مهمة يجب أن نتعلمها ونعلّمها. حتى لو كانت صعبة في البداية، يجب أن نعيش الحياة بالقناعة لبعض الوقت.
ورد في القرآن الكريم: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ {٢} نحن الذين وضعنا اختلافات بين الناس من حيث أمر المعيشة؛ وذلك لحكمة، لكي يستمر نظام أمور عالم الخلقة. إذا كان الجميع على مستوى واحد، فلن تسير الأمور؛ فمثلاً، نحتاج إلى شخص مُحترف لـتفريغ مياه الصرف الصحي.
اليقين بالرزق والتوكل على الله
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا قَسَّمَ اللَّهُ لِی لَا یَفُوتُنِی وَ لَوْ کَانَ فِی جَنَاحِ رِیحٍ»
انظر كم كان إيمان أبي الدرداء وتوكّله على الله عظيماً! يقول:
-
“أي رزق قسمه الله لي، فلن يفوتني أبداً”. إذا وضع الله لي رزقاً وأخبر أنه يجب أن يصل إليّ، فسيصل عاجلاً أم آجلاً ولن يفوتني. أنا أملك هذا الاعتقاد واليقين.
-
«وَ لَوْ کَانَ فِی جَنَاحِ رِیحٍ»: “حتى لو كان هذا الشيء المُقسّم الذي يجب أن يصلني موجوداً على جناح ريح“. لنفترض أنه يجب أن يأتيني من الغيب، فسيصل. كان هناك بعض الأشخاص يضعون أيديهم تحت الوسادة فيأتيهم رزقهم من الغيب.
أنا لا أقول هذا لكي تسعوا وراء الكرامات؛ كما يركض البعض وراء الشهادات. بل أريد أن أقول إن للإنسان، غير الأرزاق الظاهرية، أرزاقاً غيبية أيضاً.
نتيجة عدم الثقة بالله
«وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ (رضوان الله عليه): هُتِكَ سِتْرُ مَنْ لَا یَثِقُ بِرَبِّهِ»
يقول أبو ذر (رضوان الله عليه): “من لا يثق بربه في أموره، فقد هُتك ستره”، وليس لديه حياء.
«وَ لَوْ کَانَ مَحْبُوساً فِی الصُّمِّ الصَّیَاخِیدِ» “حتى لو كان محبوساً في زنزانة انفرادية، في بئر أو سجن”. إذا لم يثق هذا الشخص بربه، فليعلم أنه أزال ستاريته، وانتهك الحرمة الإلهية، وصار قليل الحياء والخجل. لم يضع بينه وبين الله أي ستر وحياء، حتى لو كان وحيداً تماماً.
«فَلَیْسَ أَحَدٌ أَخْسَرَ وَ أَرْذَلَ وَ أَنْزَلَ مِمَّنْ لَا یُصَدِّقُ رَبَّهُ فِیمَا ضَمِنَ لَهُ» من هو أكثر خسارة، وأذل، وأحقر من ذلك العبد الذي لا يثق بربه ولا يصدقه؟
«فِیمَا ضَمِنَ لَهُ» في ذلك الرزق الذي ضمنه الله، حيث قال: ﴿وَ فِی السَّمَاءِ رِزْقُکُمْ وَ مَا تُوعَدُون﴾ {٣}. الله نفسه قال ذلك، فلماذا لا نثق بوعد الله وتضمينه؟
-
اعلموا أنه ما لم يتحقق هذا الإيمان والتصديق فينا بشكل صحيح، سنبقى حائرين متخبطين؛ نتخبط على أبواب الآخرين، نفكر دائماً: أين نذهب وماذا نفعل؟ فلان سيقضي حاجتنا، لكن أمورنا لن تُحلّ.
-
لأن الله نفسه أقسم وقال: “لن أُصلح أمرك. ما لم تأتِ إليّ، وما لم تُصحّح يقينك بي، لن أُصلح أمرك أبداً”. هذا أمر مُسلّم به وموجود في القرآن والأحاديث {٤}.
«وَ تَکَفَّلَ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ خَلَقَهُ» قبل أن يخلقك، تكفّل هو بنفسه بأن يحدد كم ستعيش، وكم سيكون عمرك، وماذا ستجد… هل يعقل أن صاحب المصنع لا يعرف كيف يدير هذا المصنع؟ فالله الذي خلق كل هؤلاء العباد يعلم. إذن، قبل أن نأتي إلى هذه الدنيا، بيّن كيف يجب أن نكون وتكفّل بنا.
«وَ هُوَ مَعَ ذَلِکَ یَعْتَمِدُ عَلَى قُوَّتِهِ وَ تَدْبِیرِهِ وَ جُهْدِهِ وَ سَعْیِهِ» رغم أن الله أراد لمخلوقه ذلك، ورغم أن هذه المقادير يجب أن تجري عليه، يأتي هذا العبد ويقول: أنا لدي قوة، هذا من تدبيري، بهذا الجهد وذاك السعي وجدت هذا المال.
«وَ یَتَعَدَّى حُدُودَ رَبِّهِ» وهو يتجاوز الحدود التي وضعها ربه. يتخطى حدوده ويجرؤ على ربه، ويقول: كل هذا مني!
«بِأَسْبَابٍ قَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا» أي أنه يتجاوز الحدود التي وضعها الله. لقد نهى الله عن السرقة والحرام، ونهى عن التوجه إلى من يهدر كرامتك، لأن المؤمن عزيز، إياك أن تفقد عزتك. أسباب أغناه الله عنها ونهى عنها، ولكننا نفعل ونرى سوء عاقبتها.
الخلاصة: ما استخلصناه من هذا المبحث هو: إذا أردنا أن نجد الراحة والطمأنينة، فلا مفر لنا من التوجه إلى الله، الذي هو حلال المشكلات بذاته.