الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

الراحة والسكينة الحقيقية

الراحة والسكينة الحقيقية

«قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): لَا رَاحَةَ لِمُؤْمِنٍ عَلَى الْحَقِیقَةِ إِلَّا عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى» {١}

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “لا يجد المؤمن راحة وسكينة حقيقية إلا في اليوم الذي ينجح فيه بلقاء الله ومقابلته”.

  • إذا كان سالك طريق الله قد حقق لقاء الله، فلن يكون في وجوده أي انزعاج أو حزن بعد ذلك.

  • والسبب هو: عندما تذوب في تلك الذات الإلهية ذات الجلال والجمال، تلك الذات التي بِيَدِها كل القوة، تكون قد وضعت نفسك في حِجر هذه العظمة وسلّمت كل أمورك إليه؛ فما الذي يجعلك حزيناً ومهموماً بعد ذلك؟

هذه الهموم والغموم هي لمن هم أدنى من هذه المرحلة والمرتبة، هم لأولئك الذين ما زالوا يرون أنفسهم، وأموالهم، وقوتهم، وحياة الدنيا هذه ملكاً شخصياً لهم، واهتمامهم بغير الله. لذلك، يظنون أنهم يستطيعون إيجاد مطلوبهم الحقيقي في هذه الأشياء. وعندما يذهبون ويبحثون مراراً وتكراراً، ثم يرون أن الأمر ليس كذلك، يدركون أنهم ضلّوا الطريق. لذا، يجب أن يتجهوا نحو الهدف الحقيقي للخلق، إلى حيث خُلقنا. لقاء الله ومعرفة الله هي المرحلة الأخيرة للإنسان.


أسباب الوصول إلى الراحة ولقاء الله

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَفِی أَرْبَعَةِ أَشْیَاءَ» يقول الإمام الصادق (عليه السلام): لقاء الله هو حل جميع المشكلات، ولكن إذا كنت تريد ما هو أدنى من لقاء الله، فعليك بمراعاة هذه الأمور الأربعة:

١. الصمت والسكوت

«صَمْتٍ تَعْرِفُ بِهِ حَالَ قَلْبِكَ وَ نَفْسِكَ»

الأول هو موضوع الصمت والسكوت الدائم، ليتمكن الإنسان، نتيجة هذا الصمت، من إيجاد جوهر ذاته. صمت إذا دخلت فيه تدريجياً، تنكشف لك حقيقة هذا القلب والنفس، وتصبح معرفة النفس سهلة عليك.

  • «فِیمَا یَکُونُ بَیْنَكَ وَ بَیْنَ بَارِئِكَ»: لتعرف أين أنت وأين الله، وماذا يجب عليك أن تفعل.

٢. الخلوة الباطنية

«وَ خَلْوَةٍ تَنْجُو بِهَا مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ ظَاهِراً وَ بَاطِناً»

الثاني من الأمور التي توصل الإنسان إلى لقاء الله هو الخلوة التي يجب أن يجدها الإنسان في باطنه، وأن يخرج من هذا الازدحام والأفكار المتشتتة.

  • إذا استقرت هذه الخلوة في القلب، فبواسطتها يمكنك أن تدرك آفات زمانك وتنجو منها ظاهراً وباطناً؛ لأنه في الخلوة يمكن للإنسان أن يكتشف عيوب الزمان وأهل زمانه.

  • وإلا إذا كان في ازدحام ومختلطاً بأهل زمانه، فكيف سيعرف؟ إذا كان المرء مثلاً في مجموعة من الرفاق وكلهم من أهل الدنيا، وأهل المعصية، وأهل الغفلة، فكيف سيعرف عيوبهم وعيوبه هو؟

  • إذن، نحتاج إلى خلوة تكشف هذه الأمور.

٣. الرياضة بالجوع (الصيام)

«وَ جُوعٍ تُمِیتُ بِهِ الشَّهَوَاتِ وَ الْوَسْوَاسَ»

الثالث هو أنه يجب أن تُجوّع نفسك (تُروّضها بالصيام) حتى تُميت بواسطته الشهوات ووساوس النفس والشيطان تماماً، فلا تؤذيك.

  • بعض الأصدقاء يعانون من الوسواس. قال أحدهم: يا شيخ، أمرتنا أن نغتسل غسل التوبة ونصلي دعاء التوبة في أول يوم من الأربعين؛ إذا أردنا أن نغتسل غسل الاستحباب، نحتاج إلى وقت طويل تحت الدش. قلت له: إذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة لغسل الاستحباب.

  • الآن، كيف يمكن للمرء أن يدفع الوسوسة بالجوع؟ هذا يجب أن تفهمه بنفسك إذا كنت فطناً.

  • عندما يهتم الإنسان بجسده باستمرار من طعام ولباس وما شابه ذلك، ولا يروّض نفسه، فإن الوساوس النفسانية والشيطانية تؤثر عليه.

  • أما إذا صام قربة لله، وروّض جسده قربة لله، فإن الله يساعده حتماً وينقذه من الشهوات المكروهة والمحرمة ومن الوساوس.

تنبيه: قد يقول قائل إن نفوذ الوسوسة يكون أكثر وضوحاً في الأجسام النحيلة. الجواب هو: نحن لا نقول أَنحِلوا الجسد بالصوم والجوع وتعطيل نشاطه، بل إن مراعاة صحة وسلامة مَركب الجسد هي من أهم واجبات السالكين.

٤. السهر (قيام الليل)

«وَ سَهَرٍ تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ وَ تُصَفِّی بِهِ طَبْعَكَ وَ تُزَكِّی بِهِ رُوحَكَ»

من الأمور التي توصل الإنسان إلى لقاء الله هو السهر (قيام الليل). ونقرأ في مناجاة الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وَ لَكَ لَا لِسِوَاكَ سَهَرِي وَ سُهَادِي» {٢} (إلهي، هذا السهر والأرق مني لأجلك لا لغيرك).

  • “السهر” يعني اليقظة في الليل، وخاصة في جوف الليل وما بعد منتصفه.

  • «وَ سَهَرٍ تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ»: قلب الإنسان يصبح نورانيّاً وحيّاً نتيجة السهر. صدقوني، أولئك الذين يسهرون، والذين يقرأون القرآن والصلاة والدعاء في تلك الساعات، إذا عوّدوا أنفسهم على تلك الساعة، يكون قلبهم حيّاً طوال اليوم؛ يقظة الليل والسحر لها تأثير كبير.

  • «تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ»: ينير القلب، وتصفو طبيعة الإنسان، وتتزكى روحه من الرذائل.

جدول المحتويات