الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

التعلق بالدنيا يسبب عمى البصيرة

التعلق بالدنيا يسبب عمى البصيرة

هناك آية أخرى تقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ {١}

  • جمال الدنيا – الذي يسبب غواية الإنسان – لا يُعمي عين الرأس (العين الظاهرة)، بل يُعمي عين القلب.

  • عندما تنظر عين الرأس إلى جمال الدنيا ومظاهرها، قد تميل وتُفتتن بمظاهر الدنيا إذا لم يكن المرء من أهل العبرة.

  • إذن، ما يجعل عين قلب الإنسان عمياء ويمنعه من أخذ العبرة بشكل صحيح، هو المظاهر الدنيوية. بمعنى أن الإنسان، إذا وقع في أسر هذه المظاهر، فإنه يفقد البصيرة والموعظة المعنوية.

  • والنتيجة هي أن عين الرأس ترى أولاً الجمال الزائف للدنيا، ثم تُعطّل عين عبرة القلب.

المقام الرفيع للمُعتبِر

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في الجملة الأخيرة:

«فَمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَیْنَ قَلْبِهِ وَ بَصَّرَ عَینَهُ بِالاعْتِبَارِ فَقَدْ أَعْطَاهُ اللهُ مَنْزِلَةً رَفِیعَةً وَ زُلْفَى عَظِیماً» {٢}

  • أي شخص يوفقه الله ويفتح عين قلبه لينظر بها إلى الدنيا، وكذلك إذا تفضّل الله عليه فجعل عينيه الظاهرتين عيني عبرة، تستطيعان أن تأخذا العبرة بالنظر إلى هذه الدنيا الماكرة الخادعة، فلا يعشقها، ويستطيع أن يأخذ العبرة من الحوادث والوقائع التي تحدث فيها ليسير في طريق الله.

  • إذا كان المرء كذلك، «فَقَدْ أَعْطَاهُ اللهُ مَنْزِلَةً رَفِیعَةً»؛ يكون الله قد أحبه ومنحه هذه المنزلة الرفيعة والمقام العظيم هديةً له، حيث تمكن من ألا يكون مثل أهل الدنيا الذين يُعطون قلوبهم لها، بل يأخذ العبرة مما يُوجب العبرة، ولن يتعلق قلبه بهذه الدنيا الخادعة.

طريق أخذ العبرة

ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:

إذا أردتم أن تأخذوا العبرة، فاذهبوا إلى القصور والمساكن التي كان يسكنها الملوك. اذهبوا إلى الخرائب مثل إيوان كسرى في بغداد، أو تخت جمشيد (برسبوليس) في شيراز، أو أي أماكن أخرى. اذهبوا إلى هذه القصور الخربة وقولوا: «أَیْنَ الْمُلُوكُ وَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟» {٣}

  • لقد علّمنا الإمام طريق أخذ العبرة، حيث يقول: قولوا لأنفسكم: أين ذهب أولئك الذين كانوا يسكنون في هذا القصر؟ أين أصبحوا؟


عبرة الإمام الهادي (عليه السلام) للمتوكل

(ثم تُورد القصة المشهورة التي وقعت بين الإمام الهادي (عليه السلام) والخليفة العباسي المتوكل، وهي مثال حي على أخذ العبرة):

  • خلاصَةُ القِصّة:

    • أُخبِر المتوكل أن علي بن محمد (الإمام الهادي (عليه السلام)) يراسل شيعته في قم ويدعو للثورة، فأرسل جنوداً من الأتراك داهموا بيته ليلاً، فلم يجدوا شيئاً.

    • وجدوا الإمام في بيت مغلق، يرتدي رداءً من الصوف، جالساً على الرمل والحصى، مُقبلاً بقلبه على الله، متجهاً إلى القبلة ويتلو القرآن.

    • أُحضِر الإمام إلى المتوكل، وكان المتوكل في مجلس شرب وخمر. عندما رآه المتوكل، خاف وعظّمه وأجلسه بجانبه، ثم عرض عليه الكأس الذي كان في يده.

    • قال الإمام: “وَاللَّهِ مَا دَخَلَ لَحْمِي وَ دَمِي قَطُّ، فَاَعْفِنِي (أعفني)”. فأعفاه المتوكل وطلب منه أن يُنشد شعراً.

    • قال الإمام الهادي (عليه السلام): لست مُلِمّاً كثيراً بالشعر. قال المتوكل: لابد أن تنشد. فأنشد الإمام (عليه السلام) قصيدة العبرة والموعظة:

الأبيات الشعرية (الترجمة الحرفية) الشرح المستفاد
بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ / غُـلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الْقُلَلُ‏ أقاموا على قمم الجبال تحرسهم الرجال الأقوياء، فلم تنفعهم تلك القمم.
وَ اسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ‏ / وَ أُسْکِنُوا حُفَراً یَا بِئْسَـمَا نَزَلُوا أُنزلوا بعد العز من حصونهم، وأُسكنوا حفراً (القبور)، فيا بئس هذا المنزل الذي نزلوا إليه!
نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ دَفْنِهِمْ / أَیْنَ الْأَسَاوِرُ وَ التِّیجَانُ وَ الْحُلَلُ‏ ناداهم صارخ بعد دفنهم: أين الأساور والتيجان والحلل؟
أَیْنَ الْوُجُوهُ الَّتِی کَانَتْ مُنَعَّمَةً / مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْـتَارُ وَ الْکِلَلُ‏ أين الوجوه التي كانت مُنَعّمة (في غاية الرخاء)، تُضرَب من دونها الستور والقلل (ناموسيات الحرير)؟
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِینَ سَاءَلَهُمْ‏ / تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَیْهَا الدُّودُ تَقْتَتِلُ‏ فأفصح القبر عنهم (أي بيّن حالهم) حين سألهم، وقال: تلك الوجوه عليها الدود يتقاتل.
قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَ قَدْ شَرِبُوا / وَ أَصْبَحُوا الْيَوْمَ بَعْدَ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا {٤} لقد طال ما أكلوا وشربوا دهراً، وأصبحوا اليوم بعد الأكل، هم المأكولون (طعاماً للدود).
  • رد فعل المتوكل: بكى المتوكل عند سماع الأبيات حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى جميع الحاضرين، وأمر المتوكل بدفع أربعة آلاف درهم للإمام، ثم أعاده إلى منزله معززاً مكرماً {٥}.

شرح الإمام الهادي للمتوكل (رسالة الشارح): يا متوكل! خذ العبرة، لا تكن مغروراً بهذا العرش والملك. أين ذهب الملوك الذين قبلك؟ فكر قليلاً. كان لديهم عروش، وعندما كانوا ينامون عليها، كانت فراشهم مُزيّنة، حتى أنهم كانوا يضعون الشبك (الناموسيات) على وجوههم خشية أن تأتي بعوضة وتُزعجهم. أين ذهب ذلك العرش، وذلك الملك، وتلك الجلالة والبهجة الظاهرة؟ أين ذهبت تلك الوجوه المنعّمة؟ تلك الوجوه التي كانت تهتم بنظافتها إلى أقصى حد، ها هي الآن تحت التراب، وتلك الأجساد أنتجت الدود والحشرات.

  • الخلاصة: إذا فكر الإنسان بهذه الطريقة وأخذ العبرة هكذا، فإنه لن يتعلق بهذه الدنيا كثيراً.

جدول المحتويات