التكلّف: طريق مخالف للحقيقة
«قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): الْمُتَكَلِّفُ مُخْطِئٌ وَ إِنْ أَصَابَ وَ الْمُتَطَوِّعُ مُصِیبٌ وَ إِنْ أَخْطَأَ» {١}
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “الذي يعمل بتكلّف هو مُخطئ، حتى لو كان عمله صحيحاً، والذي يعمل بقصد الطاعة والامتثال (المتطوّع) هو مُصيب، حتى لو كان عمله مخالفاً للواقع (أخطأ)”.
مفهوم التكلّف
-
كما يدل لفظ التكلّف، فإنه مأخوذ من الكلفة والمشقة.
-
إذا كانت أعمال الشخص المتكلّف وعباداته وبرامجه الدينية نابعة من الكلفة والمشقة، فهذا يدل على أنه يسير في هذا الطريق خلافاً لمجرى الحقيقة.
-
لأن مجرى الحقيقة والواقع هو أن يكون الإنسان مُذعناً، ومُنقاداً، ومُستسلماً حقاً للتكاليف الإلهية.
العبد، وخاصة أهل السير والسلوك، إذا سلك في طريقة أداء التكاليف والعبادات مسلكاً يوافق الفطرة وأصل الواقع الداخلي بين العبد وربه، فإنه يكون قد قبل هذا الأمر بـالاستسلام والرضا عندما يمتثل للأوامر الإلهية ويترك النواهي.
-
لكن أولئك الذين لم يدركوا أصل مسألة السلوك وينظرون إلى العبادات من الناحية الظاهرية فقط، قد يكون أداء الأوامر الدينية بالنسبة لهم متكلفاً ومشقّة.
-
أما العبد الذي زكّى نفسه وسار في طريق المعنوية، فقد تقبّل أوامر الله بقلبه وروحه، ولم يعد يشعر بالكلفة والمشقة. عندما يقف للصلاة، يقف بِعشق؛ وعندما يصوم، يصوم بِعشق، وكذلك سائر العبادات والبرامج الأخرى.
مبحث التكلّف يريد أن يوضح لك هذه المسألة: إذا كانت أعمالك نابعة من التكلّف، فإنها تدل على النفاق. أما إذا كانت نابعة من الطبيعة والواقع والحقيقة (الإخلاص)، فإنك لا تشعر بالثقل والازدواجية في أداء التكاليف الإلهية. عندما يسير الإنسان من طريق العشق والمعرفة، فإنه يأنس كثيراً بالأوامر والإرشادات الإلهية.
الفرق بين أهل التكلّف وأهل الطاعة
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «الْمُتَكَلِّفُ مُخْطِئٌ وَ إِنْ أَصَابَ»
-
من يشعر بالتكلّف في أداء واجباته، فإنه في الواقع قد انحرف وأخطأ عن الطريق الصحيح؛ حتى لو أصاب، أي أدّى الأمر كاملاً، لكن ليس عن إخلاص، ولا محبة، ولا عشق.
-
لذلك يجب عليه أن يلتفت إلى نفسه ويرى لماذا لا يتقبّل هذه الأوامر بقلبه وكيانه؟
«وَ الْمُتَطَوِّعُ مُصِیبٌ وَ إِنْ أَخْطَأَ»
-
أما من كان أهل طاعة، ومُطيعاً، ومُنصاعاً، ولا يرى في ذلك مشقة (حتى لو كانت هناك مشقة، فإنه يراها حُلواً وطيباً).
-
يقول الإمام (عليه السلام) في حق هذا الشخص: «مُصِیبٌ وَ إِنْ أَخْطَأَ»؛ أعمال الشخص المطيع هي صحيحة وموافقة للصواب، حتى لو فرضنا أنه ارتكب خطأ ما في موضع ما، فإن هذا الشخص لا يُقال عنه مُتكلّف، بل يُقال عنه مطيع؛ أي أن ظاهره وباطنه متفقان.
آثار التكلّف وعواقبه
«وَ الْمُتَكَلِّفُ لَا یَسْتَجْلِبُ فِی عَاقِبَةِ أَمْرِهِ إِلَّا الْهَوَانَ وَ فِی الْوَقْتِ إِلَّا التَّعَبَ وَ الْعَنَاءَ وَ الشَّقَاءَ»
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): الشخص الذي يعمل بـكلفة ومشقة في أعماله العبادية والدينية، لا يُعلَم ما ستكون نهاية أمره. لقد أمره الله بأمر، وهذا الشخص يؤديه بالقوة دون معرفة وعلم.
-
كيف سيكون حال المتكلّف عندما يُفارق هذه الدنيا عند الاحتضار؟
-
«وَ الْمُتَكَلِّفُ لَا یَسْتَجْلِبُ فِی عَاقِبَةِ أَمْرِهِ إِلَّا الْهَوَانَ»: في اليوم الأخير الذي يُغمض فيه عينه عن الدنيا، ليس له إلا المذلّة والشقاء؛ لأنه لم يسعَ لتصحيح نفسه وأداء أعماله لله طاعةً ومحبةً.
-
«وَ فِی الْوَقْتِ إِلَّا التَّعَبَ وَ الْعَنَاءَ وَ الشَّقَاءَ»: وقته وعمره ضاعا، وقد أمضاهما في تعب ومشقة. يتعبّد ويؤدي الأعمال، لكنها ليست نابعة من الحقيقة والإخلاص والمحبة.
الرياء والنفاق جناحي المتكلّف
«وَ الْمُتَكَلِّفُ ظَاهِرُهُ رِیَاءٌ وَ بَاطِنُهُ نِفَاقٌ»
-
الشخص المتكلّف الذي يؤدي أمراً بكلفة، ظاهر أعماله رياء وباطنه نفاق.
-
هو كالعبد الذي – عندما يشتريه مولاه ويأتي به إلى المنزل – يخاف من محاسبة المولى إذا لم يؤدِّ الأوامر؛ لذا فإن أداء الأوامر يكون خوفاً لا محبةً وواقعاً.
-
أعمال الشخص المتكلّف كذلك: ظاهره رياء وباطنه نفاق.
الرياء: يريد أن يظهر نفسه بأنه يؤدي الأعمال، ولكنه لم يُصلح باطنه، فباطنه ملوّث. عندما لا يكون الباطن صافياً مع الله، يؤدي الأعمال بمشقة، وفي الواقع يريد أن يُظهر نفسه أمام الله. وإذا لم يُظهر نفسه أمام الخلق، فإنه يظهر نفسه أمام الله.
-
الظاهر ظاهر استعراضي، والباطن نفاق وبدون إخلاص ومعرفة. النفاق يعني اختلاف الظاهر والباطن.
«وَ هُمَا جَنَاحَانِ یَطِیرُ بِهِمَا الْمُتَکَلِّفُ»
-
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): الشخص المتكلّف الذي يؤدي الأعمال والأفعال الدينية، يطير ويتقدم بـجناحين، وكلاهما خطأ: أحدهما جناح الرياء والآخر جناح النفاق.
«وَ لَیْسَ فِی الْجُمْلَةِ مِنْ أَخْلَاقِ الصَّالِحِینَ» إجمالاً، يجب القول إن هذا الشخص، إذا كانت أعماله عن تكلّف، فإنه لم يأتِ بأخلاق الصالحين. فالذين هم عباد الله الصالحون والمستحقون، يؤدون أوامر الله عن طيب نفس.
«وَ لَا مِنْ شِعَارِ الْمُتَّقِینَ» وكذلك، التكلّف ليس من شعار أهل التقوى والإيمان.