آداب السجود العرفاني وكيفية تحصيله
أفاد تقرير “أنوار توحيد” بأن آية الله الكُميلي، أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم، وفي سياق سلسلة دروسه الأخلاقية في شرح وتوضيح كتاب “آداب الصلاة” للإمام الخميني (رض)، تناول شرح حديث للإمام الصادق (عليه السلام) مأخوذ من كتاب “مصباح الشريعة” حول موضوع “آداب السجود”.
أحكام ومستحبات السجود (مقدمة فقهية)
-
حكم السجدتين: السجدتان في كل ركعة من الصلاة تُعتبران ركناً؛ ولذا إذا نُسيت سجدة وفات محل تداركها، وجب قضاؤها بعد الصلاة أولاً، ثم أداء سجدتي السهو. وكيفية أداء هذه السجدة (القضاء) تكون مماثلة لسجدة الصلاة.
-
أعضاء السجود: يجب أن توضع الأجزاء السبعة (المساجد) على الأرض: الجبهة، وكفّا اليدين، والركبتان، وطرفا إبهامي القدمين. يجب أن تكون أصابع القدمين مستقيمة وموجهة للأمام، لا نائمة.
-
مستحبات السجود الظاهرية: يُستحب أن تكون اليدان مقابل الأذنين عند السجود.
-
احتساب السجود: إذا ارتفعت الجبهة لا إرادياً من موضع السجود ثم عادت، تُحسب سجدة واحدة.
مبدأ شرعي: يجب أن يكون السجود كاملاً من الناحية الفقهية والشرعية، ثم ننتقل إلى أسراره العرفانية؛ لأن الشريعة قبل الطريقة والحقيقة.
حقيقة السجود في الشعر العرفاني
ذكر الأستاذ الكُميلي مقتطفات من ديوان “جوهر الذات” للعطار النيسابوري حول حقيقة السجود:
| الأبيات الشعرية (ترجمة المعنى) |
| إذا وصلت (إلى الله) فبسبب هذا السجود، / وإن لم تكن واصلاً، فلن تكون أبداً! |
| لا تغفل لحظة عن السجود، / ففي السجود يظهر وجه الحبيب (الله). |
| لأنك بالسجود هنا ترى المحبوب، / وإلا فسوف ترى الكثير من الغموم. |
| بالسجود تنفتح أسرار الأسرار، / وتظهر مظاهر الحق في كل لحظة. |
| بالسجود هنا تصبح عين المحبوب، / أخفِ وجودك في ذاتك. |
آداب السجود العرفانية وكيفية تحصيلها (٨ نقاط)
أشار هذا الأستاذ في الأخلاق والعرفان إلى حديث للإمام الصادق (عليه السلام) من “مصباح الشريعة” حول آداب السجود وأسراره العرفانية وكيفية تحصيلها، حيث ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) ثماني نقاط مهمة:
١. الانتباه لعظمة الله (الخشوع)
«فَاسْجُدْ سُجُودَ مُتَوَاضِعٍ لِلَّهِ ذَلِيلٍ»
أولاً: يجب أن يكون سجودك نابعاً من الذلة، والخشوع، والتواضع أمام العظمة الإلهية. إذا لم يدرك الإنسان عظمة الله في قلبه، فكيف يمكنه تحصيل الخشوع؟ لذا يجب زيادة المعرفة والوعي بالله للحفاظ على خشوع القلب في الصلاة. السجود الخاشع أمر قلبي وليس مجرد أمر ظاهري.
ذكر بعض آداب الصلاة الظاهرية: من مستحبات الصلاة، الصلاة تحت السماء، أو على التراب أو على سجادة من الحصير. البعض من العلماء كان يستخدم سجادة من الحصير بدلاً من السجاد المخملي؛ لأنه لا يتيسر دائماً الصلاة والسجود على التراب. كما أن ارتداء رداء ولباس أبيض، وتغطية الرأس بقبعة، وتخصيص مكان للعبادة، هي أيضاً من الآداب الظاهرية للصلاة. مراعاة هذه الآداب الظاهرية تؤدي تدريجياً إلى استعداد القلب والتفاتِه.
٢. الانتباه لأصل الخلقة
«عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ يَطَؤُهُ الْخَلْقُ»
ثانياً: أن يصل الإنسان إلى هذه المعرفة بأنه خُلِق من التراب والطين. قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥).
-
نحن خُلقنا من التراب، وإليه نعود، ومنه نُبعث يوم القيامة.
-
تذكير بالمعنى: في محراب الشهادة، كان الإمام علي (عليه السلام) يرفع التراب من الأرض ويضعه على موضع الضربة، ثم يتلو الآية (٥٥) من سورة طه.
-
التحصيل: الانتباه إلى هذا المعنى عند وضع الجبهة على التراب يُساعد في تحصيل السجود العرفاني والخشوعي.
٣. الانتباه إلى كيفية الخلقة
«وَ أَنَّهُ اتَّخَذَكَ مِنْ نُطْفَةٍ يَسْتَقْذِرُهَا كُلُّ أَحَدٍ»
ثالثاً: يجب على الإنسان في حال السجود أن يرى لِمنْ يسجد؟ وكيف كانت خلقته؟ لقد خُلقنا من نطفة قذرة، نطفة يشمّ رائحتها الجميع ويستقذرونها.
-
نصيحة الإمام علي (عليه السلام): «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ مِنْ أَيْنَ وَ فِي أَيْنَ وَ إِلَى أَيْنَ» (رحم الله امرأ عرف من أين جاء، وفي أين هو، وإلى أين يذهب).
-
يجب أن تُستقر هذه الأمور في القلب دائماً ليتحقق التعظيم والخشية في القلب. هذا التحصيل يحتاج إلى جهد، وليس أمراً سهلاً.
٤. الانتباه إلى العدم والنية
«وَ كُوِّنَ وَ لَمْ يَكُنْ»
رابعاً: كنا عدماً ولا شيء، وهو الذي أوجدنا. قال تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
-
من كان أصله العدم، فبماذا يريد أن يفتخر؟
-
المُعوّق: الغفلة عن هذا الموضوع تُعدّ مانعاً من اكتمال السجود العرفاني.
٥. السجود سبب للتقرب بالباطن
«وَ لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مَعْنَى السُّجُودِ سَبَبَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالْقَلْبِ وَ السِّرِّ وَ الرُّوحِ فَمَنْ قَرُبَ مِنْهُ بَعُدَ عَنْ غَيْرِهِ»
خامساً: مسألة السجود مهمة جداً. أقرب وأفضل أحوال العبد من الله هي حالة السجود.
-
أي أن الإنسان يمكنه من خلال السجود أن يُقرّب نفسه إلى الله، وهو قرب معنوي لا ظاهري أو جسدي.
-
يجب أن يتحرك القلب، والسر، والروح وتتجلى في الوجود.
-
لا يكون السجود عرفانياً وإلهياً إلا إذا توجه الإنسان إلى الله بـالقلب والسر والروح وطلب القرب منه.
-
يجب أن يتوافق الظاهر والباطن. إذا لم يتحد الظاهر والباطن في العبادات، تتحقق مسألة النفاق.
٦. تجلي الباطن واختفاء الظاهر
«أَلَا تَرَى فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوِي حَالُ السُّجُودِ إِلَّا بِالتَّوَارِي وَ عَنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَ الْإِحْجَابِ عَنْ كُلِّ مَا تَرَاهُ الْعُيُونُ كَذَلِكَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الْبَاطِنِ»
سادساً: حقيقة السجود: ألا ترى في الظاهر أن حالة السجود لا تستوي إلا بالتخفي عن جميع الأشياء والحجاب عن كل ما تراه العيون؟ ماذا يعني هذا التخفي؟
-
من هذا يتضح أن الله أراد أن يتجلى الباطن، ويُصلح، ويُطهَّر.
٧. تعلق القلب بالله (معيار القرب)
«فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقاً فِي صَلَاتِهِ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ فِي صَلَاتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»
سابعاً: إذا رأيت قلبك متعلقاً بالله في صلاتك، فاعلم أنك قريب من الله.
-
ولكن إذا رأيت أن باطنك وتعلقاته في مكان آخر غير الله، فإنك لم تقترب من الله، بل تقترب من تلك الأشياء التي تخطر بذهنك وقلبك.
-
المحذور: البعض يجدون في صلاتهم مفقوداتهم لكنهم لا يجدون الله. متى يمكن للعبد الذي يتشتت فكره أن يؤدي سجدة عرفانية ويجد الله؟
-
الآية: يشير الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الآية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: ٤). لم يجعل الله لعباده قلبين، أحدهما لله والآخر لغيره. يجب أن ترى مَن في قلبك؟ وهل وجهتك في العبادات وفي يومي الدنيا بعيدة عن اللهو، والأفكار المادية والدنيوية؟
٨. الإخلاص القلبي (أساس القبول)
ثامناً: مسألة الإخلاص والصفاء القلبي مهمة جداً.
-
الحديث القدسي: قال رسول الله (ص) عن الله عز وجل: «مَا أَطَّلِعُ عَلَى قَلْبِ عَبْدٍ فَأَعْلَمُ فِيهِ حُبَّ الْإِخْلَاصِ لِطَاعَتِي لِوَجْهِي وَ ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي إِلَّا تَوَلَّيْتُ تَقْوِيمَهُ وَ سِيَاسَتَهُ»
-
أي: لا أطّلع على قلب عبد من عبيدي، وأرى فيه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي، إلا تولّيت تقويمه وإدارة شؤونه. أعطيه القوة، وأتولى جميع أموره، وأجعل حياته كلها مستقيمة. أنا أكون المتصرف في جميع أموره الظاهرة والباطنة.
-
-
عاقبة التشتت: «وَ مَنِ اشْتَغَلَ فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِي فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِنَفْسِهِ اسْمُهُ مَكْتُوبٌ فِي دِيوَانِ الْخَاسِرِين»
-
أما إذا كان العبد مشتغل الفكر بغيري في صلاته، فهو يستهزئ بنفسه (لأن الله لا يُستهزأ به).
-
«اسْمُهُ مَكْتُوبٌ فِي دِيوَانِ الْخَاسِرِين»: ولذلك يُكتب اسمه في ديوان الخاسرين، أي الذين لحقتهم الخسارة والضرر ولم ينتفعوا بهذه الصلاة والطاعة.
-