الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

قول ربيع بن خُثَيم في مدح العزلة وعدم الشهرة

قول ربيع بن خُثَيم في مدح العزلة وعدم الشهرة

«قَالَ رَبِیعُ بْنُ خُیْثَمٍ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ الْیَوْمَ فِی مَوْضِعٍ لَا تَعْرِفُ وَ لَا تُعْرَفُ فَافْعَلْ» {١}

يتناول الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الجزء كلمات ربيع بن خُثَيم (أو خُيثَم)، وهو أحد الزّهّاد الثمانية {٢}، والذي توفي في الكوفة في زمن حكم عبيد الله بن زياد {٣ و ٤}.

قال ربيع: إذا استطعت اليوم أن تكون في مكان لا تعرف فيه ولا تُعرف، فافعل ذلك.

تحليل قول ربيع (في العزلة)

  • «فَافْعَلْ»: يؤكد ربيع على ضرورة فعل ذلك من أجل العزلة. يجب أن تكون مجهولاً في المجتمع؛ لأنك إذا اشتهرت، فإن الناس سيأتون إليك ويشغلونك، ولن يدعوك تشتغل بحالتك المعنوية وسيرك وسلوكك.

  • الشهرة المذمومة: المقصود بهذه الشهرة هي الشهرة الضارة، وهي أن يسعى الإنسان بنفسه لتحصيل مقام، أو منزلة، أو جاه، أو موقع في المجتمع. إذا سعى هو لذلك، فإنه يخرج عن مسار سيره وسلوكه.

الفرق بين طلب الشهرة وطلب الدنيا

  • الشهرة من الله: أحياناً تجد أن الله هو الذي ينشر الاسم الحسن للمؤمن في المجتمع. هناك فرق بين أن تسعى أنت للشهرة، وبين أن تأتي الشهرة إليك بنفسها.

  • جزاء الإقبال على الله: ورد في بعض الروايات {٥} أنه إذا لم تتبع الدنيا، فإن الدنيا هي التي تتبعك. هذا الذي يأتي من جهة الغيب ومن الله هو أمر حسن جداً.

نذكر روايتين كأمثلة:

الرواية الأولى (خدمة الدنيا للخادمين)

«یَا عَلِيُّ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى الدُّنْیَا: اخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي وَ أَتْعِبِي مَنْ خَدَمَكِ»

يا علي! أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا: “اخدمي مَنْ خدمني، وأتعبي مَنْ خدمك”.

الرواية الثانية (الرزق الطالب والمطلوب)

«الرِّزْقُ رِزْقَانِ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْیَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى یُخْرِجَهُ عَنْهَا وَ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْیَا حَتَّى یَسْتَوْفِیَ [مِنْهَا رِزْقَهُ] رِزْقَهُ مِنْهَا»

الرزق نوعان: رزق يطلبه الإنسان، ورزق يطلب الإنسان.

  • فمن طلب الدنيا، طلبه الموت حتى يُخرجه منها.

  • ومن طلب الآخرة، طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه كاملاً منها.

هذا هو تحليلنا لقول ربيع بن خُثَيم. وهذه الأقوال ليست قاصرة على ربيع؛ بل ورد ما يشابهها في روايات الأئمة (عليهم السلام) أيضاً.

التوفيق بين العزلة والمسؤولية

قوله: “يجب عليك أن تختار مكاناً في المجتمع لا يأتي الناس إليك ولا تذهب أنت إليهم؛ أي لا تُعرف”، هو أمر يخص المجتمعات الفاسقة والمليئة بالفسق والفجور، وبين الناس الذين يصدّونك عن ذكر الله.

الاستثناء والوظيفة: وإلا إذا اقتضت الوظيفة أن يقوم الإنسان بـالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ، فبعد أن يُكمّل كمالاته الإنسانية في نفسه، يمكنه أن يذهب إلى الناس ويؤدي وظيفته.

  • ضرورة تزكية النفس أولاً: هناك بعض الوُعّاظ الذين لم يُنشئوا الموعظة في أنفسهم بعد، فجأة يصعدون المنبر ويَعِظون الناس. هذا الأمر ليس صحيحاً؛ يجب عليه أولاً أن يبني نفسه، حتى يكون لكلامه تأثير في الناس.

جدول المحتويات