الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

طريق النجاة من بلاء الدنيا

طريق النجاة من بلاء الدنيا

«وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صل الله عليه و على آله و سلم): لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَ فِتْنَةٌ وَ مَا نَجَا مَنْ نَجَا إِلَّا بِصِدْقِ الِالْتِجَاءِ» {١}

يذكّرنا هذا الحديث بمطلبين: الأول هو غدر الدنيا، والثاني هو طريق نجاتنا في هذه الدنيا المليئة بالمصاعب والمحن والفتن.

١. طبيعة الدنيا (البلاء والفتنة)

«لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَ فِتْنَةٌ» يجب أن نعرف الدنيا كما يجب أن نعرف الآخرة. هذه الدنيا كلها بلاء، وفتنة، وتغيرات، وتحولات. ترى أن الدنيا لم تكن ولن تكون على حال واحدة؛ كم من أناس جاءوا وذهبوا، وكم من أنظمة وحكومات تبدلت. وهكذا في كل فترة تظهر قضايا جديدة لهذه الدنيا. فاعلموا أن هذه الدنيا هي “عروس ألف عريس”.

كما يقول حافظ الشيرازي (قدس سره):

“لا تطلب صلاح العهد من عالم ضعيف الأساس / فإن هذه العجوز عروس ألف عريس.” {٢}

  • وصف الدنيا في رواية: ورد في رواية أن «الدُّنْيَا دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ» {٣} (الدنيا دار محاطة بالبلاء). كان هذا الوضع وهذه الأحوال دائماً موجودة، وهذه هي طبيعة الدنيا. فماذا نفعل لكي لا نقع في أسر هذه الدنيا الغدّارة الماكرة؟

٢. سبيل النجاة (صدق الالتجاء)

«وَ مَا نَجَا مَنْ نَجَا إِلَّا بِصِدْقِ الِالْتِجَاءِ» المطلب الثاني: طريق نجاة الإنسان من الأضرار والآفات اليومية لهذه الدنيا الفانية هو إيجاد ملجأ قوي.

  • الملجأ الحقيقي: أي ملجأ أقوى لدينا من ملجأ الله؟ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ {٤}. الملجأ، والمفرّ، والملاذ، والمأوى هو فقط الوجود الكريم لصاحب الجود، الجليل عز وجل.

  • الصدق: يجب أن يكون التجاؤنا صادقاً، وأن نلجأ إليه حقاً، لا أن نكذب ونخدع أنفسنا.

  • التقييم الذاتي: هل لجأت إلى الله وطلبت منه المساعدة بالقدر الذي تلجأ فيه إلى والدك أو تطلب المساعدة من الآخرين؟ يجب أن تجلس وتفكر وتنظر: هل جعلت الله ملجأ لك بنفس القدر الذي تطلب فيه المساعدة من أشخاص آخرين في عملك أو في أي شيء آخر؟

  • المطلوب: يجب أن يكون تفكيرك بناءً؛ ولذلك يقول النبي (صل الله عليه وآله وسلم): يجب أن يكون التجاؤك صادقاً، وألا تكذب على نفسك.


الدنيا من منظور نوح (عليه السلام)

«وَ قَالَ نُوحٌ (عليه السلام): وَجَدْتُ الدُّنْيَا كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ، دَخَلْتُ مِنْ إِحْدَاهُمَا وَ خَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ»

انظروا ماذا يقول شيخ المرسلين، نبي الله نوح (عليه السلام) عن الدنيا.

ملاحظة تاريخية: لدينا أبوان: أحدهما آدم (عليه السلام) والآخر نوح (عليه السلام)؛ لأنه في زمن نوح (عليه السلام) وقع الطوفان، وكان عدد قليل من الناس في السفينة، واستمر نسل البشر منهم. كلاهما مدفونان بجوار قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما نقرأ في زيارة الإمام علي: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ عَلَى ضَجِيعَيْكَ آدَمَ وَ نُوحٍ» {٥}. “ضجيع” تعني الذي ينام بجوارك.

  • ملاحظة فقهية: هناك نكتة فقهية يجب الانتباه إليها بخصوص كلمة “ضجيع” حيث تُشير إلى حق الزوجة في المضاجعة (المبيت بجوار الزوج)، وهو حق منفصل عن حق المعاشرة (الجماع). الابتعاد عن الزوجة بحجة بكاء الطفل ليلاً أو الحاجة للنوم بعد العمل يولد برودة في العلاقة.

رؤية نوح للدنيا: يقول نوح (عليه السلام) في باب التفكر في الدنيا:

“رأيت الدنيا كبيت له بابان؛ دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر”.

  • لقد ضرب نوح (عليه السلام) مثلاً جيداً. فلنسعَ لأن نكون كذلك، وأن نرى الدنيا بالنسبة لنا كبيت له بابان، ندخل من أحدهما ونخرج من الآخر.

هذه الدنيا ليست باقية، وهذه هي الحقيقة، لكن لأننا متعلقون بالدنيا، نتخيل أنها باقية.

حال المتعلّق بالدنيا

«هَذَا حَالُ نَبِيِّ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اطْمَأَنَّ فِيهَا وَ رَكَنَ إِلَيْهَا وَ ضَيَّعَ عُمُرَهُ فِي عِمَارَتِهَا»

  • يقول الإمام الصادق (عليه السلام): هذا حال نبي الله (نوح)، الذي وضع الدنيا في عينه بهذه الطريقة ولم يغترّ بنفسه. فماذا سيكون حالي وحالك؟

  • «فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اطْمَأَنَّ فِيهَا وَ رَكَنَ إِلَيْهَا»: فكيف حال من يعيش في هذه الدنيا باطمئنان ويتكل عليها؟

  • «وَ ضَيَّعَ عُمُرَهُ فِي عِمَارَتِهَا»: وكيف حال من أضاع عمره كله في عمارة الدنيا وبنائها؟ (أين أشتري أرضاً، أين أبني، إذا بعت، أين أشتري أرضاً أو بيتاً غداً؟). العمر ينتهي ويمضي؛ هل جئنا إلى الدنيا من أجل هذه الأعمال؟

«وَ مَزَّقَ دِينَهُ فِي طَلَبِهَا»

  • “ومزّق دينه في طلبها”: ومزّق دينه، وضاعف دينه من أجل طلب الدنيا.

  • التبديل الخاسر: هناك الكثيرون ممن يفعلون ذلك؛ على سبيل المثال، يجلس في المتجر في وقت الصلاة، يسمع أذان المسجد أو هاتفه ينبّهه بالأذان، ويمكنه أن يصلي في المتجر، لكنه لا يفعل. يقول: سأؤخرها للساعة الخامسة عندما أذهب إلى المنزل.

  • هذا مثال لمن يساوم بـالدين من أجل الدنيا، بينما يجب أن يكون العكس: أن نضحي بـالدنيا من أجل الدين. نحن نُقلّل من شأن ديننا، ولا نقلل من شأن دنيانا، ونبيع الآخرة من أجل الدنيا الفانية.

جدول المحتويات