الزوال والهلاك: نتاج طلب الدنيا
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ صُورَةٍ رَأْسُهَا الْكِبْرُ وَ حَاصِلُهَا الزَّوَالُ» {١}
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): الحياة الدنيوية تشبه تمثالاً رأسه الكِبر، وحصيلته وعاقبته الزوال والفناء. أي أن الإنسان مهما أصبح ملياردير ومهما تقدم في هذه الدنيا، فعليه أن يترك كل شيء ويرحل؛ لأن على هذه الدنيا ختم الزوال الحتمي، ولا مفر منه.
-
الخلاصة: من يسعى وراء الدنيا ولا يسعى وراء الفضائل والآخرة، فهو من أهل الفناء والزوال. أما الذين يسيرون في طريق الله، فإن حياتهم المعنوية تتجدد يوماً بعد يوم، وقلوبهم وأرواحهم تحيا، ويخرجون من هذه الحالات الفانية العابرة. (يُقصد بالفناء هنا: الفناء الدنيوي، وليس الفناء العرفاني).
مصادر وعوامل الصفات الذميمة الدنيوية
يتساءل الإمام: من أين تنشأ هذه الصفات المذمومة التي تُصيب الإنسان الدنيوي؟
| الترتيب | المسبب الدنيوي (البداية) | الأثر السيئ والصفة الذميمة (النهاية) |
| ١. | حبّ الدنيا | يورث الكبر |
| ٢. | استحسان الدنيا (رؤيتها جميلة) | يورث الحرص |
| ٣. | طلب الدنيا باستمرار | يورث الطمع |
| ٤. | مدح الدنيا (باللسان) | يُلبس الرّياء |
| ٥. | إرادة الدنيا وتمنّيها | يُمكّن العُجْب (الغرور) |
| ٦. | الركَنُ إليها والاعتماد عليها | يُركِب الغفلة |
| ٧. | الإعجاب بمتاعها | يُوقع في الفتنة والزوال |
| ٨. | جمعها والبخل بها | يُورِدُ إلى النار (المستقر الأبدي) |
شرح الآثار الثمانية:
١. حبّ الدنيا يورث الكبر
«فَمَنْ أَحَبَّهَا أَوْرَثَتْهُ الْكِبْرَ»
إذا كان الشخص محباً للدنيا وزينتها، وسعى وراء مظاهرها ومادياتها، وأهلك نفسه في تحصيل المقاصد المادية والدنيوية، فإن هذا يجعله يكتسب الكبر ورؤية الذات عظيمة بواسطة محبة الدنيا. لأن هذا الشخص سيصبح غنياً وذا مقام وجاه، وستكبر هذه الأشياء في عينه. أما إذا كانت المحبة لله والآخرة، فإنه لا يسعى وراء الكبر، بل يسعى لإزالة الرذائل والكبر، ويحل محلهما التواضع والتذلل.
٢. استحسان الدنيا يورث الحرص
«وَ مَنِ اسْتَحْسَنَهَا أَوْرَثَتْهُ الْحِرْصَ»
ومن رأى الدنيا جميلة واستحسنها، ولم يتجه نحو الله والآخرة، فليعلم أن ميراث ذلك هو الحرص والطمع.
٣. طلب الدنيا يورث الطمع
«وَ مَنْ طَلَبَهَا أَوْرَثَتْهُ الطَّمَعَ»
ومن سعى ليل نهار خلف الدنيا، زاد طمعه. الطمع ليس له حدود. ترى بعض أهل الدنيا متأكدين من الموت، ويعلمون أنهم لن يعيشوا مثل الأنبياء (نوح، الخضر، عيسى) أو الإمام المهدي (عج)، ويعلمون أنهم سيعيشون مئة عام على الأكثر ثم يُدفنون. فلماذا يكدّسون المال فوق المال؟ يمتلك الآن مبلغاً كبيراً يؤمن مستقبله، لكنه يطلب المزيد والمزيد. هذه هي نتيجة الدنيا عندما لا يُزكّي الإنسان نفسه؛ فإن الطمع يتأصل فيه.
٤. مدح الدنيا يورث الرياء
«وَ مَنْ مَدَحَهَا أَلْبَسَتْهُ الرِّیَاءَ»
ومن أراد أن يمدح هذه الدنيا الماكرة الغدّارة بلسانه، فليعلم أنه يُمارس الرياء. هذا المدح يلبسه لباس الرياء؛ لأن الدنيا ليس لها حقيقة أو واقع، بل هي شيء زائف واعتباري. إذا مدح الإنسان شيئاً لا ثبات له ولا بقاء، ويلازمه الزوال، فإنه في الواقع يُحوّل غير الواقع إلى واقع، وهذه هي صفة الرياء السيئة: إظهار الكذب كصدق، وغير الواقع كواقع.
٥. إرادة الدنيا تُمكّن العُجْب (الغرور)
«وَ مَنْ أَرَادَهَا مَكَّنَتْهُ مِنَ الْعُجْبِ»
ومن أراد الدنيا وأظهر لها الإرادة والمحبة، فليعلم أن الدنيا تُسلّط وتمكّن العُجْب (الغرور الذاتي) فيه؛ لأن العُجْب يُصنع وينتج من إرادة الدنيا.
٦. الاعتماد على الدنيا يركب الغفلة
«وَ مَنْ رَكَنَ إِلَیْهَا أَرْكَبَتْهُ الْغَفْلَةَ»
ومن كان ملجؤه ومأواه الدنيا، ويجري خلفها بمجرد أن يستيقظ من النوم، فليعلم أن الغفلة ركبته؛ أي أن الدنيا تُباغته بالغفلة، وغفلة القلب عن ذكر الله وأوليائه تُهلكه.
٧. استحسان متاع الدنيا يُوقع في الفتنة
«وَ مَنْ أَعْجَبَهُ مَتَاعُهَا فَتَنَتْهُ وَ لَا تَبْقَى لَهُ»
ومن أعجبته الدنيا ومتاعها وجعله محل اهتمامه وغرق في هذه الأمور، فالنتيجة هي أن الدنيا توقعه في الفتنة ولن تبقى له ولن تكون باقية.
-
المفتون: هو الشخص الذي يُفتتن بشيء يعجبه ويحبه بشدة، مثل الشخص الذي يرى فتاة جميلة ويعشقها، فيُقال إنه مفتون بها؛ أي أن فتنة هذه الفتاة قد أصابته وجعلته عاشقاً. هذه الدنيا أيضاً حكمها حكم تلك العروسة المزيفة.
٨. جمع المال والبخل به يورد النار
«وَ مَنْ جَمَعَهَا وَ بَخِلَ بِهَا أَوْرَدَتْهُ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا وَ هِیَ النَّارُ»
هذه آخر جملة للإمام (عليه السلام): كل من أراد أن يجمع مال الدنيا وثروتها (مثل من يحب أن تتراكم مدخراته في البنوك)، ويفكر في المسائل الدنيوية وجمع الثروة، ولكنه لا يفكر في أن يُخرج حق الفقراء، وحق بيت المال، وحق الخمس والزكاة، والواجبات والمستحبات.
-
البخل: إحدى رذائل محبة الدنيا هي أنها تجعل الإنسان بخيلاً وشحيحاً ولا تسمح له بالبذل والعطاء في سبيل الله.
-
النتيجة: «وَ مَنْ جَمَعَهَا وَ بَخِلَ بِهَا» عاقبته ونهايته أن «أَوْرَدَتْهُ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا وَ هِیَ النَّارُ». البخل وجمع المال يجره إلى مقره الأبدي. أين هو هذا المقام؟ «وَ هِیَ النَّارُ»؛ هذا المقام هو نار غضب الله، حيث يصبح في النهاية من أهل جهنم. الكثير من أهل جهنم كانوا ممن ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ {٢} (أي يجمعونها ويخزنونها).
الخلاصة: يجب على الإنسان أن ينتبه جيداً لكي لا يغتر بالدنيا. البعض صوّر الدنيا على أنها امرأة عجوز ماكرة ومحتالة تأتي وتحاول خداع الإنسان بأساليب الغرور والخداع. لذلك، يجب أن نسعى لـمراعاة حق الفقراء، وحق بيت المال، وحق الخمس والزكاة، والحقوق الواجبة والمستحبة إذا أعطانا الله مالاً.