الركائز الأساسية لمهام السالك
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «وَ قِوَامُ ذَلِكَ كُلِّهِبِالافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ….» {١}
يتحدث الإمام الصادق (عليه السلام) عن واجبات المؤمن السالك، ويقول: إن قوام وأساس كل هذه الأمور والواجبات، والتي تضمن لك التوفيق الدائم في العبادات والطاعات الإلهية والحفظ من المعاصي، يقوم على أربعة أشياء:
أولاً: الأسس الأربعة (القوام)
١. الافتقار إلى الله
«بِالافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» أي أن ترى نفسك عاجزاً وتقول: أنا بنفسي لا أستطيع أن أفعل هذا، الله هو الذي يجب أن يساعدني.
٢. الاضطرار إليه
«وَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ» يجب أن تكون في حالة اضطرار؛ أي أن ترى نفسك مضطراً إلى الحق المتعال في كل ما يطلبه منك في هذه الدنيا الفانية.
٣ و ٤. الخشوع والخضوع
«وَ الْخُشُوعِ وَ الْخُضُوعِ» من الركائز الضرورية الأخرى لأهل السلوك هي الخشوع والخضوع. يجب على السالك إلى الله أن يحافظ على حالة الخشوع والخضوع في نفسه دائماً.
-
صفة المؤمن: ورد في حديث: «بِشْرُهُ فِی وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِی قَلْبِهِ» {٢} (بشاشته في وجهه وحزنه في قلبه). من علامات الإيمان أن يكون وجه المؤمن مبتسماً ومبتهجاً مع الناس، وليس عابساً، بينما يحمل في قلبه الحزن والأسى تجاه الله. لأن القلب إذا خلا من الحزن، أصبح كالبئر الذي جف ماؤه.
توضيح الفرق بين الخشوع والخضوع
الخضوع يعني التواضع والذل مقابل الكبرياء والعظمة. أما الخشوع فله تفاصيل أخرى:
| المرجع | الفرق بين الخشوع والخضوع |
| أ. العلامة الطباطبائي (تفسير الميزان) | الخضوع يختص بالأعضاء والجوارح (الجسم)، بينما الخشوع يتعلق بـالقلب {٣}. |
| ب. كتاب مجمع البحرين | الخشوع أعم من الخضوع. مجال الخضوع هو أعضاء البدن، أما الخشوع فيشمل أعضاء البدن، بالإضافة إلى العين (غض البصر) والصوت (خفته) {٤}. |
| ج. الملا صالح المازندراني (شرح الكافي) | الخشوع يعني خفض الصوت، والخضوع يعني إطراق الرأس (خفضه) {٥}. |
ثانياً: مفاتيح تحصيل القوام (الركائز الأربعة)
يتساءل الإمام: ما هو الطريق الذي نسلكه لتحصيل الافتقار، والاضطرار، والخشوع، والخضوع في أنفسنا؟
١. الإنابة والعودة إلى الله
«وَ مِفْتَاحُهَا الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» يقول الإمام (عليه السلام): مفتاح كل هذه الأمور هو الإنابة والعودة إلى الله. يجب عليك أن تكون دائماً في حالة توبة ورجوع إلى عتبة الله.
٢. تقصير الأمل وذكر الموت
«مَعَ قَصْرِ الْأَمَلِ بِدَوَامِ ذِكْرِ الْمَوْتِ» أن تكون آمالك في هذه الدنيا قصيرة. ما هو علاج تقليل الآمال والمحبة للدنيا؟
-
العلاج: «بِدَوَامِ ذِكْرِ الْمَوْتِ» (بمداومة ذكر الموت).
-
معاينة الوقوف بين يدي الجبار: «وَ عِيَانِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ». من العوامل الأخرى لتقليل الأمل والمحبة للدنيا هي أن ترى نفسك بـيقين في حالة الوقوف أمام الله حيث يحاسبك.
هذا الأمر يحقق نتيجتين للسالك:
-
أ. الراحة من سجن الدنيا: «لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَاحَةً مِنَ الْحَبْسِ». إذا استطعت بذكر الموت وذكر ذلك اليوم العظيم الذي يقف فيه الجميع في محكمة العدل الإلهي أن تُقلّل آمالك، فحينها ستكون قد ارتحت من سجن الدنيا (التي هي بمثابة سجن للمؤمن).
-
ب. النجاة من العدو: «وَ نَجَاةً مِنَ الْعَدُوِّ». بذكر الموت وذكر صحراء المحشر، يمكنك أيضاً أن تنجو من عدوك. لدينا عدو دائم معنا: «أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك» {٦} (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك). يمكن للإنسان، بفضل ذكر الموت وذكر يوم المحشر، أن ينجو من النفس ووساوسها الشيطانية.
٣. سلامة النفس والإخلاص (بالتوفيق)
«وَ سَلَامَةِ النَّفْسِ وَ الْإِخْلَاصِ فِي الطَّاعَاتِ بِالتَّوْفِيقُ» المفتاح الثالث للوصول إلى الافتقار والخشوع هو: سلامة النفس والإخلاص في العبادات. للوصول إلى هذين الأمرين، لا بد من توفيق الله. يجب علينا أن نسعى للحصول على ذلك التوفيق.
-
أصل التوفيق: «وَ أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يُرَدَّ الْعُمُرُ إِلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ». منشأ هذا التوفيق هو ألا يُلقّن الإنسان نفسه في الدنيا أنه سيبقى فيها، وألا ينمّي آمالاً كثيرة، بل يردّ عمره كله إلى يوم واحد. أي يقول لنفسه: لست متأكداً أنني سأكون حياً غداً، ليس لدي إلا هذا اليوم فقط.
-
شاهد من النبي (ﷺ): ثم استشهد بكلام رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم): «الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلْهَا طَاعَةً» (الدنيا ساعة فاجعلها طاعة). لا تقل دائماً إنني باقٍ في الدنيا.
شعر المولوي (المثنوي المعنوي):
“الوجه خرج من عدم الوجه،” “ثم أصبح: ﴿إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾” “إذن لك في كل لحظة موت ورجوع،” “وقد قال المصطفى: “الدنيا ساعة”.” {٧}