موانع صفاء القلب والإخلاص
بعد أن أوضح الإمام الصادق (عليه السلام) مفهوم التكلُّف (التصنّع والعمل بغير صفاء)، وبيّن طبيعة الإيمان، وكيف يجب أن ندخل إلى الأبواب الإلهية بصفاء ومحبة، يختتم الحديث بذكر موانع الصفاء والإخلاص، وعوامل التكلُّف.
الشرط: إذا أزلنا هذه الموانع من طريقنا، سيدخل الإخلاص والمحبة والعشق إلى قلوبنا. لكن ما دامت هذه الموانع موجودة، سنبقى من المتكلّفين، وليس من المطيعين والمحبّين.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «وَ لَا تَشْتَغِلْ بِلِبَاسٍ آخِرُهُ الْبِلَاءُ وَ طَعَامٍ آخِرُهُ الْخَلَاءُ وَ دَارٍ آخِرُهَا الْخَرَابُ» {١}
ذكر الإمام (عليه السلام) ثمانية موانع يجب معالجتها للوصول إلى الصفاء وعدم التكلُّف:
١. اللباس (الزينة والاهتمام بالظاهر)
«وَ لَا تَشْتَغِلْ بِلِبَاسٍ آخِرُهُ الْبِلَاءُ»
لا تنشغل بظاهرك كثيراً! لا تشغل نفسك بالمظاهر الدنيوية فتبقى بعيداً عن الأصل والواقع.
-
البِلاء (بكسر الباء): المقصود هنا ليس “البَلاء” (المصائب)، بل “البِلاء” أي البلى والاهتراء والاندثار.
-
التحذير: لا تفتخر بملابسك، ولا تصنع لنفسك ثوباً جديداً كل يوم؛ لأن “آخِرُهُ الْبِلَاءُ”؛ هذا اللباس سيهترئ ويصبح قديماً. هل يستحق الأمر أن يفتخر به الإنسان ويشغل نفسه دائماً بهذه الأمور الظاهرية؟ عندما ينشغل الإنسان بالمظاهر الدنيوية، يتخلف عن الأمور الباطنية والحقيقية.
٢. الطعام (الاهتمام المفرط بالمأكل)
«وَ طَعَامٍ آخِرُهُ الْخَلَاءُ»
فكّر في الطعام أيضاً؛ أنت تُولي اهتماماً كبيراً لنوعية الطعام وكيف يجب أن يكون.
-
النتيجة: “آخِرُهُ الْخَلَاءُ”؛ آخره أن تذهب إلى بيت الخلاء لتُخرج كل ما أكلته. كل ما أكلته يتحول في النهاية إلى فضلات. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تلتصق بالطعام وتنسى خالق الطعام؟ وتلتصق باللباس وتنسى خالق اللباس؟
٣. السكن (الدار)
«وَ دَارٍ آخِرُهَا الْخَرَابُ»
أو أن تُولي اهتماماً للسكن الذي مآله الخراب. هل يستحق السكن كل هذا الاهتمام، أم أن الأهم هو الأمر الذي ستواجهه ويجب عليك أن تكون مسؤولاً عنه في كل مكان؟
٤. الأموال
«وَ مَالٍ آخِرُهُ الْمِيرَاثُ»
أن تلتصق بالأموال وتنسى الله، فهذا ليس صحيحاً. هذه التعلقات الدنيوية هي التي تجعلك تتعب وتتكلّف في العبادة. الأموال أيضاً يجب أن تتركها وترحل، ويأتي الورثة ليتصرفوا فيها.
٥. الأصدقاء (الإخوان)
«وَ إِخْوَانٍ آخِرُهُمُ الْفِرَاقُ»
إذا أردت أن تُكوّن لك أصدقاء ورفاقاً وتنشغل بصداقتهم، فهؤلاء أيضاً يجب أن تتركهم وترحل عنهم (بسبب الموت).
٦. الموقع الاجتماعي (العز)
«وَ عِزٍّ آخِرُهُ الذُّلُّ»
كل من يفتخر بـموقعه الاجتماعي وعزّه، فإن مآله الذل. في النهاية، سيتقاعد الإنسان ويجلس في بيته ثم يموت ويُدفن في القبر.
٧. الوقار المُصطنع
«وَ وَقَارٍ آخِرُهُ الْجَفَاءُ»
إذا أردت أن تتعلق بـالوقار والثقل المُصطنع (الذي هو نتاج مكانة زائفة) وتقول: “نحن ذوو شأن في المجتمع”، فإن هذا الثقل والوقار المُصطنع سيزول. والناس أنفسهم الذين رفعوك، سيأتون ويجافونك.
-
المحذور: الجفاء هو عاقبة كل من ليس اتكاله على الله، بل على الناس. هؤلاء الناس يرفعونك يوماً ويضعونك يوماً آخر؛ فلا يمكن الاعتماد على هذا الوقار.
٨. العيش واللذة (الحسرة)
«وَ عَيْشٍ آخِرُهُ الْحَسْرَةُ»
وكذلك أن تكتفي بـالعيش واللذة التي مآلها الحسرة. في النهاية، ستزول هذه اللذات وتتحسّر: لماذا لم أسعَ وراء الأشياء الباقية؟ هذه الأمور زائلة، فلماذا لم أذهب خلف المحبوب الحقيقي (الله) لأجد تلك المحبة الحقيقية وألا أتعلق بهذه الأمور؟ الله هو المستحق للمحبة. كان يجب أن أشغل نفسي بالله وبالأشياء الباقية بعد موتي.
خلاصة الإمام (عليه السلام)
هذه الأمور تفسد صفاء الإنسان الباطني. عندما تريد أن تعبد الله وتقوم بالأعمال الإلهية، إذا لم يكن لديك صفاء باطني، فسيتوجب عليك القيام بها بمشقة وتكلُّف. وقد قلنا إن المشقة والتكلُّف نوع من النفاق.
-
الهدف: يجب على الإنسان أن يُخلص نفسه من التكلُّف، وللتخلص منه، يجب أن يُمهّد الطريق.
-
تمهيد الطريق: يتم تمهيد الطريق بأن لا يشغل السالك نفسه بمظاهر الدنيا: اللباس، والطعام، والمسكن، والمال، والأصدقاء، والعزة والمكانة، والوقار المصطنع، والمعيشة الزائلة.
-
الاكتفاء بالكفاف: إذا لم يهتم السالك بهذه الأشياء واكتفى بـالحد الأدنى (الكفاف) من هذه الدنيا، يمكنه أن يتحرر من التكلُّف.
-
الاستئصال: التكلُّف هو نفاق كما أوضحنا، ويجب على الإنسان أن يستأصل هذا النفاق والرياء من جذوره. متى يمكنه استئصال النفاق؟ عندما يسير في طريق الإخلاص والمحبة الإلهية.