الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

الوصول إلى الاضطرار والخشوع

 الركائز الأساسية لمهام السالك

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «وَ قِوَامُ‏ ذَلِكَ كُلِّهِ‌بِالافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ….» {١}

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) بخصوص واجبات المؤمن السالك: إن قوام وأساس كل هذه الأمور والواجبات، التي تمكنك من النجاح الدائم في العبادات والطاعات الإلهية والمحافظة على نفسك من المعاصي بالحفظ الإلهي، تقوم على أربعة أشياء:

أولاً: الأسس الأربعة (القوام)

١. رؤية الذات محتاجة إلى الله (الافتقار)

«بِالافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» أي أن ترى نفسك عاجزاً وتقول: أنا بنفسي لا أستطيع القيام بهذا العمل، الله هو الذي يجب أن يمدني بالعون.

٢. رؤية الذات مضطرة إلى الحق المتعال (الاضطرار)

«وَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ» يجب أيضاً أن تكون لديك حالة الاضطرار؛ أي أن ترى نفسك مضطراً إلى الله فيما يطلبه منك في هذه الدنيا الفانية.

٣ و ٤. الخشوع والخضوع

يذكر الإمام الصادق (عليه السلام) بعد الافتقار والاضطرار أمرين آخرين كأساس لواجبات السالك: «وَ الْخُشُوعِ وَ الْخُضُوعِ». من المقومات الضرورية واللازمة لأهل السلوك هي مسألة الخشوع والخضوع، حيث يجب على السالك إلى الله أن يحافظ على حالة الخشوع والخضوع في نفسه بشكل دائم.

  • صفة المؤمن: لهذا ورد في حديث: «بِشْرُهُ فِی وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ‏ فِی‏ قَلْبِه‏» {٢}. من علامات الإيمان أن يكون وجهه مبتسماً ومبتهجاً مع الناس، وليس عابساً، ولكنه يحمل في قلبه الحزن والهمّ تجاه الله؛ لأن قلب الإنسان إذا خلا من الحزن والأسى، أصبح كالبئر الذي جفّ ماؤه.

ملاحظة حول الفرق بين الخشوع والخضوع

كلمة الخضوع تُستخدم بمعنى التواضع والذل مقابل العظمة والتكبر، والخشوع مختلف عن هذا. وهناك اختلافات بينهما نذكرها:

  • أ. العلامة الطباطبائي (تفسير الميزان): يكتب: «الخضوع يختص بالأعضاء والجوارح، أما الخشوع فيتعلق بالقلب الذي يخشع» {٣}.

  • ب. مجمع البحرين: ورد فيه أن الخشوع أعم من الخضوع؛ أي أن نطاق الخضوع هو أعضاء البدن، لكن الخشوع يشمل بالإضافة إلى أعضاء البدن، العين (أي النظر إلى الأسفل) والصوت (أي خفض الصوت) أيضاً {٤}.

  • ج. الملا صالح المازندراني (شرح الكافي): يقول بخصوص الفرق بين الخضوع والخشوع: «المقصود من الخشوع هو خفض الصوت، والمقصود من الخضوع هو إطراق الرأس (إمالته إلى الأسفل)» {٥}.


ثانياً: مفاتيح الوصول إلى الافتقار، الاضطرار، الخشوع، والخضوع

١. الإنابة والعودة إلى الله

«وَ مِفْتَاحُهَا الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» بخصوص الطريق الذي ندخل منه ونُنتج به هذا الافتقار، الاضطرار، الخشوع، والخضوع في أنفسنا، يقول الإمام (عليه السلام): مفتاح كل هذه الأمور هو الإنابة والعودة إلى الله، ويجب أن تكون دائماً في حالة توبة ورجوع إلى عتبة الله.

٢. تقصير الأمل ودوام ذكر الموت

«مَعَ قَصْرِ الْأَمَلِ بِدَوَامِ ذِكْرِ الْمَوْتِ» أن تكون آمالك في هذه الدنيا قصيرة. كيف يمكن للإنسان أن يُقلل آماله ومحبته للدنيا؟

  • طريق العلاج: قال: «بِدَوَامِ ذِكْرِ الْمَوْتِ» (بمداومة ذكر الموت).

  • استحضار الحساب: ثم قال: «وَ عِيَانِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ». من العوامل الأخرى لتقليل الآمال ومحبة الدنيا هي أن ترى نفسك بـيقين تام واقفاً أمام الله وهو يحاسبك.

هذا الأمر يحمل نتيجتين للسالك:

  • أ. الراحة من سجن الدنيا: «لِأَنَّ فِی ذَلِكَ رَاحَةً مِنَ الْحَبْسِ». إذا استطعت بذكر الموت وذكر ذلك اليوم العظيم الذي يقف فيه الجميع في محكمة العدل الإلهي أن تُقلل آمالك، فحينها تكون قد ارتحت من سجن الدنيا (التي هي بمثابة سجن للمؤمن)، وذلك بواسطة دوام ذكر الموت وتذكّر اليوم العظيم الذي يقف فيه الإنسان ويُسأل ويُحاسب على أعماله وأفعاله في هذه الدنيا.

  • ب. النجاة من العدو: «وَ نَجَاةً مِنَ الْعَدُوِّ». يمكنك أيضاً بواسطة ذكر الموت وذكر صحراء المحشر، أن تنجو من عدوك. لدينا عدو ليس من الأعداء الخارجيين، بل عدو دائم معنا: «أَعْدَى‏ عَدُوِّكَ‏ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك» {٦}. أسوأ عدو هو نفس الإنسان، والتي يمكن للإنسان بفضل ذكر الموت وذكر يوم المحشر أن ينجو منها ومن وساوسها الشيطانية.

٣. سلامة النفس والإخلاص (بالتوفيق)

المفتاح الثالث الذي يذكره الإمام (عليه السلام) للوصول إلى الافتقار، الاضطرار، الخشوع، والخضوع هو: «وَ سَلَامَةِ النَّفْسِ وَ الْإِخْلَاصِ فِی الطَّاعَاتِ بِالتَّوْفِیقُ». للوصول إلى هذين الأمرين، أي النفس السليمة والإخلاص في العبادة، لا بد من توفيق الله تعالى؛ لذا يجب علينا السعي للحصول على ذلك التوفيق.

  • أصل التوفيق: ثم يقول: «وَ أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يُرَدَّ الْعُمُرُ إِلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ». منشأ هذا التوفيق هو ألا يُلقّن الإنسان نفسه في الدنيا أنه سيبقى موجوداً، وألا ينمّي آمالاً كثيرة، بل يردّ عمره كله إلى يوم واحد؛ أي يقول لنفسه: لست متأكداً أنني سأكون حياً غداً، ليس لدي إلا هذا اليوم فقط.

  • شاهد من الرسول (ﷺ): ثم استشهد بكلام رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلْهَا طَاعَةً»؛ يقول رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم): الدنيا ساعة، فاجعلها في طاعة الله؛ لا تقل دائماً إنني باقٍ في الدنيا.

شعر المولوي (المثنوي المعنوي):

“الوجه خرج من عدم الوجه،” “ثم أصبح: ﴿إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾” “إذن لك في كل لحظة موت ورجوع،” “وقد قال المصطفى: “الدنيا ساعة”.” {٧}

جدول المحتويات