أثر مناجاة الله تعالى عوضاً عن طلب الحاجات الشخصية
يتناول هذا النص الشريف، المقتبس من “مصباح الشريعة” وشرحه العرفاني، الأثر العظيم لتفضيل ذكر الله ومناجاته على الانشغال بطلب الحاجات الشخصية. هذا المنهج يمثل ذروة السلوك العرفاني في باب الدعاء.
أولاً: الحديث القدسي وأفضل العطاء
يذكر النبي (صل الله عليه وآله وسلم) حديثاً قدسياً يُبين فيه الله تعالى جزاء من شغلته المناجاة عن طلب حاجته:
«قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ لِلسَّائِلِينَ»
-
معنى الحديث: إذا انشغل العبد بـذكر الله ومناجاته والثناء عليه، ونسي حاجته التي عزم على طلبها منه، فإن الله يعطيه شيئاً أفضل وأجل مما يُعطى لكل سائل.
-
القيمة العظيمة: العطاء هنا ليس مجرد تلبية للحاجة المنسية، بل هو أفضل العطايا التي ينالها طالبو الحاجات، لأن توجهه كان خالصاً نحو المحبوب ذاته لا لأجل نيل منافعه.
ثانياً: شاهد الإمام الصادق (عليه السلام) والسر الإلهي
يُقدم الإمام الصادق (عليه السلام) تجربته الشخصية ويفسر سبب عظم هذا العطاء:
«لَقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ مَرَّةً فَاسْتَجَابَ لِي وَ نَسِيتُ الْحَاجَةَ»
-
يُشير الإمام إلى أنه دعا الله ونسي حاجته الشخصية، ومع ذلك استجاب الله له تلك الحاجة.
سر الاستجابة وعظمة المناجاة:
يفسر الإمام السر وراء هذا العطاء والإجابة قائلاً:
«لِأَنَّ اسْتِجَابَتَهُ بِإِقْبَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ عِنْدَ دَعْوَتِهِ أَعْظَمُ وَ أَجَلُّ مِمَّا يُرِيدُ مِنْهُ الْعَبْدُ»
-
إقبال الله على العبد: إن إقبال الله على عبده وانشغال العبد بذكره ومناجاته هو أمر أعظم وأجل بكثير من أي شيء قد يطلبه العبد (حتى لو كانت الحاجة هي الجنة ونعيمها الأبدي).
-
الأفضلية على النعيم: «وَ لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةَ وَ نَعِيمَهَا الْأَبَدِيَّ». قيمة ذكر الله في قلب العبد، ونسيانه لحاجته (حتى لو كانت أعظم المطالب كالجنة)، هو أفضل عند الله.
-
تعهد الله بأمره: عندما يرى الله هذا الإقبال والصفاء في قلب العبد، يتكفل سبحانه بأمور العبد ويقضي حاجته، لأنه قدّم الأهم (الله) على المهم (الحاجة الشخصية).
ثالثاً: من يدرك هذا السر العرفاني؟
يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) أن هذا الإدراك العرفاني لا يتاح إلا للخواص:
«وَ لَيْسَ يَعْقِلُ ذَلِكَ إِلَّا الْعَامِلُونَ الْمُحِبُّونَ الْعَارِفُونَ بَعدَ صَفْوَهِ اللَّهِ وَ خَوَاصِّه»
-
أهل العمل: الذين يطبقون أوامر الله وسنن نبيه.
-
المُحبّون العارفون: الذين يحملون المحبة والعشق لله، ويملكون المعرفة والصفاء القلبي.
هؤلاء هم من يدركون أن الله تعالى ومعرفته ومناجاته أسمى وأعظم من أي مطلب شخصي، وعندما يكون المطلب الأول هو معرفة الله، فإن الله يقرب العبد إليه ويتكفل بأمره، ويصبح العبد حينئذ مُسلّماً لأمر الله ليس له إرادة إلا إرادة الله.