بسم الله الرحمن الرحيم، و به نستعين، و صلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
بيانات حضرت آية الله كميلي الخراساني «حفظه الله»
شرح وتهذيب كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، المجلد الأول، الفصل السابع والعشرون، الفصل السابع والعشرون من فصول الكتاب بعنوان: «فيه كتاب أساس المريدين»؛ القسم الثاني
تاريخ المحاضرة: ۱۳۹۷/۱۰/۰۲
نصّ البيانات:
الفصل السابع والعشرون: فيه كتاب أساس المريدين.
«فهذه الخصال السبع قوْتُ الإرادة لا قِوامَ لها إلاّ بها، ويستعين على هذه السبع بأربع هنّ أساس بنيانه وبهـا قوة أركانه؛ أوّلها الجوع، ثمّ السهر، ثمّ الصمت، ثمّ الخلوة. فهذه الأربع سجنُ النفس وضيقها، وضربُ النفس وتقييدُها بهنّ يُضعف صفاتها، وعليهنّ تُحسَن معاملاتها، ولكلّ واحدة من الأربع صنعةٌ حسنةٌ في القلب. فأما الجوع فإنه يُنقِص من دم القلب فيَبيضّ، وفي بياضه نوره، ويُذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبه رِقّته، ورقّته مفتاح كلّ خير، لأنّ في القسوة مفتاح كلّ شرّ، وإذا نقص دم القلب ضاق مسلكُ العدوّ منه لأن دم القلب مكانه، فإذا رَقّ القلب ضعف سلطان العدوّ منه، لأن في غلظ القلب سلطانه. والفلاسفة يقولون: إنّ النفس كلّية الدم، وحجّتهم في ذلك أنّ الإنسان إذا مات لم يُفقد من جسمه إلاّ دمه مع روحه. والعلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس، وهذا هو الصحيح لأنه مواطئٌ لما في التوراة. سمعت أنّ في التوراة مكتوباً: يا موسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كلّ نفس، وهذا مصدّق للحديث الذي رُوي أنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيّقوا مجاريه بالجوع والعطش. وقد عبّر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا: إذا مات في الماء من الهوامِّ ما ليس له نفسٌ سائلةٌ لم يُنجِّس، يعنون الخنافسَ والصراصر والعناكب. ففي الجوع نقصان الدم، ونقصانه ضيق مسلك العدو، وضعفُ مسكن النفس لسقوط مكانها. وفي خبر عن عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين جوّعوا بطونكم، وعطّشوا أكبادكم، وأعروا أجسادكم لعلّ قلوبكم ترى الله عز وجل. يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب. فالجوع مفتاحُ الزهد، وبابُ الآخرة، وفيه ذلّ النفسِ واستكانتها وضعفها وانكسارها، وفي ذلك حياةُ القلب وصلاحه. وأقلّ ما في الجوع إيثارُ الصمت، وفي الصمت السلامة، وهي غايةُ العقلاء.»
في الجلسة السابقة بدأنا البحث المتعلّق بشروط المريد والإرادة من الفصل السابع والعشرين من كتاب قوت القلوب. وذكرنا أنّ المريد يحتاج إلى سبع صفات، وهي:
١- صدق إرادته في هذا الطريق.
٢- العمل بالواجب وترك الحرام.
٣- معرفة النفس.
٤- مجالسة العارف، أي الأستاذ.
٥- التوبة النصوح.
٦- الطعام الحلال.
٧- الرفيق في الطريق.
في الجلسة الماضية شُرح كلّ واحد من هذه السبعة. وفي هذه الجلسة نتحدّث عن أربع صفات أو أربعة أعمال لازمة جداً للسالك. وهذه الأربع هي بمثابة العون لتلك السبع. بمعنى أنّ الوصول إلى تلك الصفات السبع يتيسّر بواسطة هذه الأربع.
وهذه الأربع هي:
١- الجوع؛
٢– رياضة السهر؛
٣– الصمت؛
٤– العزلة والخلوة عن الناس.
وقد ذكر أيضاً «الذِّكر على الدوام» كخامسٍ، كما ورد في الشعر:
«صمتٌ وجوعٌ وسهرٌ وعزلةٌ *** وذِكرٌ بدوامٍ تُكمِل الناقصين»
وربما يشير إليه لاحقاً كما أشار إليه سابقاً، ولكن الكلام الآن على هذه الأربع.
ثم قال:
«فهذه الخصال السبع»؛ وهي الصدق في الإرادة، العمل بالواجب وترك الحرام، معرفة النفس، الأستاذ، التوبة النصوح، الطعام الحلال، والرفيق.
«قُوْت الإرادة»؛ لا تُقرأ قوّة بل قُوت، كما أن عنوان الكتاب «قوت القلوب» لا «قوّة». والقوت بمعنى طعام القلوب. وطعام القلب الروحي هو هذه الصفات السبع.
«لا قِوام لها إلاّ بها»؛ لا يحصل ثبات ولا قوّة للإرادة إلاّ بهذه الأربع.
«وَيستعين على هذه السبع بأربع»؛ أي إنّ تلك السبع تُنال بمعونة الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة.
«هنّ أساس بنيانه»؛ أي هذه الأربع هي الأساس.
«وبها قوّة أركانه»؛ فهي التي تقوّي أركان تلك السبع.
وهي:
١- «أولها الجوع»؛
٢- «السهر»؛
٣- «الصمت»؛
٤- «الخلوة».
«فهذه الأربع سجن النفس وضيقها»؛ فمن أراد تربية النفس الأمّارة ووضعها في الضيق والتقييد فعليه بهذه الأربع لأنها رياضات تمنع توسّع النفس. فالنفس تريد الشبع لا الجوع، وتريد النوم لا السهر، وتريد كثرة الكلام لا الصمت، وتريد الخلطة لا العزلة.
ثم يبيّن أنّ الإنسان إن لم يُربِّ نفسه فلا يدخل المجتمع؛ أما إذا بنى نفسه ثم دخل المجتمع نفعه.
«وضرب النفس وتقييدها»؛ أي قمعها وتكسير حدّتها بهذه الأربع.
«بهنّ يضعف صفاتها»؛ أي الصفات السيئة للنفس.
«وعليهنّ تُحسن معاملاتها»؛ أي تهذيبها.
«ولكلّ واحدة صنعة حسنة في القلب»؛ فالجوع له أثره، والسهر له أثره، وكذلك الصمت والخلوة.
ثم يشرح أثر الجوع قائلاً:
«فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيضّ»؛ لأن كثرة الدم المتولّد من كثرة الأكل تُظلم القلب.
«وفي بياضه نوره»؛ أي نور القلب يظهر.
«ويذيب شحم الفؤاد»؛ أي الدهون المتولدة من كثرة الأكل.
«وفي ذوبه رِقّته»؛ فبذوبانه يرقّ القلب.
«ورقّته مفتاح كلّ خير»؛ لأن القسوة أصل الشرور.
«وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ منه»؛ أي ضاق مدخل الشيطان.
«لأن دم القلب مكانه»؛ فالشيطان يجري مجرى الدم.
«فإذا رقّ القلب ضعف سلطان العدوّ منه»؛ لأن سلطانه في الغلظة.
ويذكر كلام الفلاسفة بأنّ النفس قوامها الدم.
ويذكر ما في التوراة: «يا موسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كلّ نفس».
ويذكر الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيّقوا مجاريه بالجوع والعطش».
ثم كلام علماء الكوفة في أنّ الدم هو النفس، ولذلك الحيوانات التي لا دم سائل لها لا تنجّس.
ثم يقول:
«ففي الجوع نقصان الدم، ونقصانه ضيق مسلك العدو، وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها».
ويذكر قول عيسى عليه السلام:
«جوّعوا بطونكم، وعطّشوا أكبادكم، وأعروا أجسادكم لعلّ قلوبكم ترى الله».
أي بتحقيق الزهد وصفاء القلب.
«فالجوع مفتاح الزهد، وباب الآخرة، وفيه ذلّ النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها، وفي ذلك حياة القلب وصلاحه».
ثم يقول:
«وأقلّ ما في الجوع إيثار الصمت»؛ فالجوع يورث قِلّة الكلام.
«وفي الصمت السلامة»؛ من المعاصي.
«وهي غاية العقلاء».
ثم يختم:
«و صلّى الله على محمد وآله الطاهرين».