الولادة والوالدان
وُلد السيد الحاج هاشم الموسوي حداد في سنة 1318 هـ ق في كربلاء.
كان والده السيد قاسم ووالدته امرأة من قبيلة الجنابي في كربلاء تدعى هدية.
وكان جده السيد حسن من الشيعة الهنود وهاجر إلى كربلاء، حيث عمل في السقاية واشتهر بالحياء والعفة.
ومن الحكم والعبر التي رويت عن جده:
كان بعض العرب الشرفاء في محيط كربلاء يرسلون نساءهم أحيانًا مع السيد حسن إلى المدينة لشراء المستلزمات الضرورية.
وكان السيد حسن طوال الطريق إلى كربلاء لا ينظر إليهن عن غير قصد حتى لمرة واحدة، وهذا يدل على حذرته واهتمامه الشديد.
وكان له في كربلاء بيت للسقاية، وكان عند توصيل الماء شديد الاحتياط لدرجة أنه إذا دخل البيت أو خرج، كان يرفع رأسه نحو الحائط لئلا يرى أي امرأة، سواء كان في المنزل أحد أو لا.
التعليم
بعد نموه وازدهاره، بدأ الحاج السيد هاشم دراسته في كربلاء، ودرس علوم الطلبة حتى سيبويه. ثم توجّه إلى ديار مولى الموحدين، أمير المؤمنين عليه السلام، ليتمكّن من الاستفادة من محضر العارف الكامل واللامثيل له، ميرزا علي قاضي الطباطبائي التبريزي، وأيضًا ليخدم في المدرسة الهندية في النجف.
لقاء الأستاذ
روى أحد العلماء:
سمعت من السيد هاشم حداد أنه قال: كنت مضطربًا وحائرًا للعثور على أستاذ يدرس في المدرسة الهندية والمعروف بميرزا علي قاضي، فتوجّهت إلى النجف. وعندما دخلت المدرسة، وقع بصري على سيد جالس أمام المدخل، وما أن نظرت إليه حتى زال قلقي.
وكتب آية الله الطهراني:
بعد دخوله المدرسة الهندية، ذهب بلا إرادة نحو العلامة القاضي، وبعد السلام قبل يده، فنظر إليه العلامة القاضي وقال: “سيد هاشم! هل وصلت؟”
استأجر السيد هاشم غرفة في المدرسة وبدأ التلمذة عند الأستاذ، وظل تحت تربية آية الله سيد علي القاضي حتى نهاية حياته.
وكان يسكن في الغرفة التي كان يسكنها السيد بحر العلوم، وكان العلامة القاضي كثيرًا ما يأتي إلى غرفته، وأحيانًا يقول: “افرغ الغرفة الليلة، أريد المبيت فيها وحدي”، وهذا يدل على نورانية تلك الغرفة وفضل الله الذي منحه للسيد هاشم.
وكان السيد هاشم أحد تلامذة الأخلاق المميزين للعلامة القاضي. وبعد أن اكتسب المعارف والعلوم والتزود بالتهذيب والروحانية، عاد إلى كربلاء الحسينية، أسس أسرته، وعمل في صناعة النعال.
الإتقان في العلوم
كان السيد هاشم حداد مرجعًا في العلوم العرفانية والمشاهد الربانية، ينتقد ويعيد النظر في كلمات المحيي الدين بن عربي ويضع عليها أسئلته.
كان بالإمكان أن تسأله عن أصعب المواضيع مثل “المنظومة”، “أسفار” للأخوند، “شرح فصوص الحكم”، و”مصباح الأنيس”، و”شرح النصوص”، فيتضح لك عمق فهمه وقدرته العلمية.
شمولية العلامة القاضي
قال السيد حداد:
كان العلامة القاضي عالماً فريداً في الفقه، وفهم الرواية والحديث، والتفسير، وقراءة القرآن. وكان في مجالسه من الصعب على أي قارئ أن يقرأ القرآن أمامه دون أن ينبهه إلى الأخطاء.
وقال: لم يأتِ أحد من صدر الإسلام حتى الآن بمستوى جامع العلامة القاضي.
بعض الحالات العرفانية
كان السيد هاشم يقول:
أحيانًا أكون خفيفًا جدًا، كريشة تطير في الهواء، وأحيانًا أشعر بأنني خارج جسدي، كالثعبان الذي سلخ جلده؛ فالأنا والجسد منفصلان.
وكان يمر عليه في كل لحظة علوم عميقة وشاملة، وعندما يحاول الرجوع إليها يجدها قد ابتعدت أميالاً عنه.
وذكر أن مرة ذهب إلى الحمام ولبس ملابسه بالمقلوب عند العودة. وعندما أعطى أمواله للحمامي، لاحظ أن النقود زادت، فاستغرب وقال له: لا تسمع كلام السيد، فهو غالبًا مرتبك وحالته غير مستقرة.
كما ذكر:
توفيت له ابنة تبلغ من العمر سنتين، وكان في تلك الفترة لا يميز بين الحياة والموت، لذلك لم يبك، بينما والد زوجته كان يبكي بحرارة.
وتوفي أيضًا حفيده المشابه للعلامة القاضي، فكانت دموعه بلا إرادة تسيل.
ظروف الحياة
كان حياته مليئة بالفقر والشدة، عاش حوالي اثني عشر عامًا في منزل والد زوجته، وعاش حياة زاهدة جدًا حتى لم يكن لديهم فراش أو بطانية، وكانوا يغطون أنفسهم بنصف سجادة في البرد.
وكان يتعامل بسخاء مع المحتاجين، ولا يمنع أحدًا من أن يأخذ المال، وكان يخدم أصدقاءه بكل سرور.
العبادة والروحانية
كان ينهض ليلاً للصلاة والعبادة، ويقرأ القرآن بصوت عذب وحزين، ويجلس في التفكر طويلاً أمام القبلة.
روى آية الله الطهراني أن أحد تلامذته كان يبكي بحرارة في الجلسات، فقال السيد هاشم: “أنا أملك من هذا البكاء مئة ضعف، لكن يظهر بشكل آخر”.
اهتمامه بالشعر والمعرفة
كان يحب الشعر ويقرأ شعراء مثل المغرب، مولوي، ابن فارض، وأحيانًا حافظ وبابا طاهر، وكان يدرس “الفتوحات المكية” للمحيي الدين بن عربي.
لقاء العلماء
كان يزور العلامة الطباطبائي في قم، ويجلس معه بصمت ساعة تقريبًا، يتبادلان المشاعر والحقائق بالقلب دون كلام.
الكتمان وحفظ السر
كان الأستاذ ميرزا علي قاضي ينبهه: “لا تفشِ السر، فقد تقع في الفخ”.
الصلوات والتوجيه
في زيارة الشهيد مطهري له، نصحه بالتركيز على حضور القلب في الصلاة أكثر من التركيز على المعاني.
تجارب عرفانية
روى حالات عديدة من الخشوع والارتقاء الروحي، ومنها التجرد والنورانية في مواجهات الحياة اليومية والصعوبات الأسرية.
التواضع والصبر والوفاء
تحمل أذى والد زوجته بالصبر واتباع توجيهات العلامة القاضي، وعاش حياة بسيطة وفقيرة، وساعد المحتاجين بسخاء.
الوفاة والرحيل
توفي السيد الحاج هاشم حداد في 12 رمضان 1404 هـ ق بعد 86 سنة من حياة الزهد والعبادة والتقوى، ودفن في وادي الصفاء بكربلاء، بعد الطواف بالحرم الحسيني وحرم أبي الفضل العباس عليهما السلام.