الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

زاد السالك من تأليف الحكيم الإلهي والمحدّث العارف ملا محسن فيض الكاشاني رحمه الله.

بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى،
أما بعد:

هذه رسالة موسومة بـ «زاد السالك» كُتِبت في جواب سؤال أحد الإخوان الروحيين الذي سأل عن كيفية السلوك إلى طريق الحق.

اعلم – وفقك الله بروحه – أنه كما أن السفر الظاهر له مبتدأ ومنتهى ومسافة ومنازل ووسائل [رحلة] وزاد وراحلة ورفيق ومرشد، كذلك السفر المعنوي – وهو سفر الروح إلى الحق سبحانه وتعالى – له جميع ذلك.

مبتدأه: الجهل والنقص الطبيعي الذي جئت به من بطن أمك:
«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا» [النحل/78]

ومنتهاه: الكمال الحقيقي الذي فوق جميع الكمالات، وهو الوصول إلى الحق سبحانه وتعالى:
«وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى» [النجم/42]؛
«يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ» [الانشقاق/6]

مسافة الطريق في هذا السفر: مراتب الكمالات العلمية والعملية التي يقطعها الروح شيئًا فشيئًا، إذا سار على الصراط المستقيم الشرعي – وهو مسلك الأولياء والأصفية:
«وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» [الأنعام/153]

وهذه الكمالات مترتبة بعضها على بعض، فلا يمكن الانتقال إلى المتأخر قبل إتمام المتقدم، كما في السفر الظاهر لا يمكن عبور مرحلة دون سابقها.

منازل هذا السفر: الصفات الحميدة والأخلاق المستحسنة، وهي أحوال ومقامات الروح، يُنتقل من كل منزل إلى الأعلى تدريجيًا؛
أول منزل: اليقظة – أي الوعي – وآخر منزل: التوحيد، وهو المقصد الأقصى لهذا السفر، وتفاصيل هذه المنازل والدرجات مذكورة في كتاب «منازل السائرين».

مرشد هذا السفر: الجدّ والاجتهاد البالغ في اجتياز هذه المنازل بالمجاهدة وزهد النفس، وتحمل الأعباء الشرعية من فروض وسنن وآداب، والمراقبة والمحاسبة اللحظية للنفس، وجمع الهموم على وحدة، والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى:
«تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» [المزمل/8]؛
«وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» [العنكبوت/69]

زاد الطريق: التقوى:
«وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [البقرة/197]؛
والتقوى: القيام بما أمر الشرع والابتعاد عما نهى عنه، بالنور الشرعي، استعدادًا لانسكاب المعارف من الحق عز وجل:
«وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» [البقرة/282]

كما لا ينقطع الطريق في السفر الظاهر إلا بعد تحصيل زاد الجسم، كذلك لا يتحقق السفر الروحي إلا بالقيام بالتقوى والطهارة الشرعية ظاهراً وباطناً، وتقوية الروح بها، إذ لا يُفيض العلم والمعرفة والأخلاق الحميدة إلا عليها.

مثال ذلك: من يحمل مصباحًا في الليل يرى الطريق ويقطعه خطوة خطوة، كل خطوة تنير له جزءًا من الطريق. فالرؤية: معرفة، والمشي: عمل وتقوى.
«مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم» [بحار الأنوار 65:362]

كما أن المسافر الظاهر إذا لم يعرف الطريق لا يصل، كذلك المسافر الروحي إذا لم يملِك البصيرة في العمل لا يصل:
«الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالْسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ لَا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْدًا» [الكافي 1:43]

الراحلة: الجسم والقوى، فلا يمكن السلوك الروحي إلا بصحة الجسم والقوى، واستحقاق المعيشة حسب الضرورة، وعدم طلب فضول الدنيا.

الرفقاء: العلماء والصالحون والعباد السائرون الذين يعينون بعضهم بعضًا:
«الشَّيْطَانُ إِلَى الْمُنْفَرِدِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ»

المرشد: رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة المعصومين، فقد أرشدوا ووضعوا السنن، وعلّموا مصالح ومفاسد الطريق:
«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [الأحزاب/21]
«قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران/31]

الأعمال الأساسية للسالك بعد تحصيل العقائد الحقّة: خمسة وعشرون أمرًا، منها: المحافظة على الصلوات الخمس في أول وقت، صلاة الجمعة والعيدين، السنن الرواتب، صوم رمضان، الزكاة، الحج، زيارة قبور الأنبياء والأئمة، تحصيل الحقوق، الأخلاق الحسنة، الصدق، التوكل على الله، ضبط الأوقات، وغيرها.

الغاية: الحب الكامل والنور الوفير نتيجة المعرفة بالله، التي قد تصل بالمرء إلى مشاهده أمور الآخرة في هذه الحياة، ويُرمز إلى الفناء في الله والبقاء بالله عند بلوغ الشدة في الحب والذكر:
«كُنتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِكَيْ أُعْرَفَ»
«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ» [الذاريات/56]

الخاتمة: ومن التوفيق من الله العزيز الحكيم.

جدول المحتويات