بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ السَّلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ مَعْنُونَةٌ بِـ «زَادُ السَّالِك» فِي جَوَابِ سُؤَالِ أَحَدِ الإِخْوَةِ الرُّوحَانِيِّينَ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ إِلَى الطَّرِيقِ الإِلَهِيِّ.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ بِرُوحِهِ، كَمَا أَنَّ السَّفَرَ الْحُسِيّ صُورِيًّا لَهُ مَبْدَأٌ وَمُنْتَهًى وَ مَسَافَةٌ وَ مَسِيرٌ وَ زَادٌ وَ رَاحِلَةٌ وَ رَفِيقٌ وَ دَلِيلٌ، فَكَذَلِكَ السَّفَرُ المَعْنَوِيُّ الَّذِي هُوَ سَفَرُ الرُّوحِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى، مَبْدَؤُهُ الْجَهْلُ وَ النَّقْصُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَ مُنْتَهَاهُ الكَمَالُ الْحَقِيقِيُّ وَ هُوَ الْوُصُولُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى، وَ أَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى، (أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ).
وَمَسَافَةُ الطَّرِيقِ فِي هَذَا السَّفَرِ هِيَ مَرَاتِبُ الكَمَالَاتِ العِلْمِيَّةِ وَ العَمَلِيَّةِ الَّتِي يَسِيرُ فِيهَا الرُّوحُ شَيْئًا فَشَيْئًا، إِذَا كَانَتْ عَلَى صِرَاطِ الشَّرِيعَةِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هُوَ سُلُوكُ الأَوْلِيَاءِ وَ الأَصْفِيَاءِ، سَائِرٌ، وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.
وَتِلْكَ الكَمَالَاتُ مُتَرَتِّبَةٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى لَا يُنْتَقَلُ إِلَى الأَخِيرِ قَبْلَ أَنْ يُتَمَّ القَبْلُ، كَمَا فِي السَّفَرِ الصُّورِيِّ حَتَّى لَا يُمْكِنُ العُبُورُ إِلَى القِطَعَةِ التَّالِيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُطَاعَ السَّابِقَةُ.
وَمَنَازِلُ هَذَا السَّفَرِ هِيَ صِفَاتٌ حَمِيدَةٌ وَ أَخْلاقٌ مَحْمُودَةٌ هِيَ أَحْوَالٌ وَ مَقَامَاتُ الرُّوحِ، وَ يُنْتَقَلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ إِلَى غَيْرِهَا تَدْرِيجًا.
المَنْزِلُ الأَوَّلُ هُوَ اليَقَظَةُ وَ هُوَ الْوَعْيُ، وَ المَنْزِلُ الأَخِيرُ هُوَ التَّوْحِيدُ وَ هُوَ المَقْصِدُ الأَقْصَى مِنْ هَذَا السَّفَرِ، وَ تَفَاصِيلُ هَذِهِ المَنَازِلِ وَ دَرَجَاتِهَا مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ «مَنَازِلُ السَّائِرِينَ».
وَمَسِيرُ هَذِهِ المَنَازِلِ هُوَ بِالمُجَاهَدَةِ وَ رِيَاضَةِ النَّفْسِ فِي حَمْلِ أَوْرَاقِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الفَرَائِضِ وَ السُّنَنِ وَ الآدَابِ وَ المُرَاقَبَةِ وَ المُحَاسَبَةِ نَفْسًا فَنَفْسًا وَلَحْظَةً فَلَحْظَةً، وَ تَجْمِيعُ الهُمُومِ فِي هُمٍّ وَاحِدٍ وَ التَّفَرُّغُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى وَ تَبَتُّلٌ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
وَزَادُ طَرِيقِ هَذَا السَّفَرِ هُوَ التَّقْوَى، وَ التَّقْوَى هِيَ القِيَامُ بِمَا أَمَرَ وَ الاجْتِنَابُ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ خِلَالِ البَصِيرَةِ، حَتَّى يَصِيرَ القَلْبُ بِضِيَاءِ الشَّرِيعَةِ وَ صِيقَلِ تَكَالِيفِهَا مُسْتَعِدًّا لِفَيْضِ المَعْرِفَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ يُتَّقَى اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ.
وَكَما أَنَّ السَّافِرَ الصُّورِيَّ لَا يَسْتَطِيعُ القِطَعَ إِلَّا بِزَادِهِ، فَكَذَلِكَ السَّافِرُ المَعْنَوِيُّ لَا يَقْوَى عَلَى السَّفَرِ إِلَّا بِالتَّقْوَى وَ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَ لَا يُفِيضُ عَلَيْهِ الْعُلُومُ وَ المَعَارِفُ وَ الأَخْلاقُ الحَمِيدَةُ إِلَّا بِهَا، وَ مَثَلُهُ مَثَلُ مَنْ يَحْمِلُ فِي اللَّيْلِ مِصْبَاحًا وَ يَسِيرُ بِهِ فَيَنْوِرُ الطَّرِيقُ قُطْعَةً قُطْعَةً.
وَهَذِهِ مَا يُسَمَّى مَعْرِفَةً هِيَ وَ تِلْكَ العَمَلُ بِهَا هِيَ التَّقْوَى، وَ مِنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَكَذَلِكَ فِي السَّفَرِ الصُّورِيِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ الطَّرِيقَ لَا يَبْلُغُ الْمَقْصِدَ، وَ فِي السَّفَرِ المَعْنَوِيِّ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِالبَصِيرَةِ لَا يَبْلُغُ الْمَقْصِدَ.
وَالرَّاحِلَةُ فِي هَذَا السَّفَرِ هِيَ الجِسْمُ وَ القُوَى، فَإِذَا ضَعُفَتْ لَمْ يُتَمَّ السَّفَرُ.
وَالرُّفَقَاءُ هُمْ العُلَمَاءُ وَ الصُّلَحَاءُ وَ العُبَّادُ وَ السَّالِكُونَ الَّذِينَ يُعِينُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَ الرَّائِدُ هُوَ الحَبِيبُ المُصْطَفَى وَ الأَئِمَّةُ المُعَصُومُونَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَمَا أُوصُوا بِهِ هُوَ مَا يُسَمَّى بِـ «عِشْرِينَ وَ خَمْسَةَ أَمْرٍ» مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَا يَجُوزُ التَّخَلِّي عَنْهَا فِي السُّلوكِ بَعْدَ التَّثَبُّتِ مِنَ العَقَائِدِ الحَقَّةِ.
وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ تَضُمُّ جَمِيعَ تَفَاصِيلِهَا فِي مَنَازِلِ السَّالِكِ وَ أَخْلَاقِهِ وَ العَمَلِ بِالأَحْكَامِ وَ الأَدْوَارِ وَ السُّنَنِ وَ المُرَاقَبَاتِ وَ المُحَاسَبَاتِ وَ أَشْيَاءٍ أُخْرَى كَثِيرَة.
وَتَمَّتِ الرِّسَالَةُ وَ التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ.