الالتزام بالشريعة في جميع الأحوال
يقول المرحوم العلامة الطهراني: «رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كونهم أشرف المخلوقات وأكمل الخلق، مع ذلك كانوا ملتزمين طوال حياتهم بأحكام الله». لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملتزماً بتعاليم الدين حتى آخر حياته. وأنت لست أعظم من النبي، لذلك يجب على أمته أن تلتزم بالشريعة في جميع الأمور.
على سبيل المثال: أنت تذهب صباحاً إلى العمل، وتعود مساءً حزينا وكئيباً إلى المنزل، تترك زوجتك وأولادك لحالهم وتجلس في زاوية المنزل للعبادة. عزيزي! في النهاية، هذه الزوجة والأولاد لهم حق عليك، فبالتالي قد تمرض الزوجة وينحرف الأطفال. من هو المخطئ؟ المخطئ هو من يدعي السلوك. يظن أنه لأنه يتلقى تعليمات من المرشد، يجب أن ينفذها كلها بأي حال، بينما المرشد يعطي التعليمات بحسب وقتك وقدرتك.
تعليمات السلوك لها مكانها، والاهتمام بشؤون العائلة والواجبات الاجتماعية له مكانه أيضًا. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع تعدد زوجاته، كان يهتم بشؤونهن وكذلك بعباداته وأعماله الإلهية، لذلك كان ملتزماً بأحكام الله في جميع شؤون حياته الطيبة. وعليك أنت أيضًا كمسلك إلى الله أن تلتزم بالشريعة في جميع أوقاتك.
«لذلك، إن القول بسقوط التكليف من الإنسان هو كذب وافتراء، ولكن يمكن فهم معنى آخر له لم يقصده البعض، وهو أن أداء العبادات يحقق الكمال للنفس البشرية، فالمراحل المحتملة للإنسان تتحقق تدريجياً بواسطة الالتزام بالسنن العبادية».
تحقيق القدرات الداخلية بالعبادات
إذا قلنا إن التكليف يسقط عنا، فهذا كذب واضح وافتراء. ويشرح العلامة الطهراني أن الإنسان بالعبادات يمكن أن يبلغ الكمال، وأن القدرات الكامنة داخله تتحقق تدريجياً بالعبادات. عندما يحقق المسلك قدراته الداخلية ويصل إلى الكمال، تصبح العبادة له محبوبة، ويؤديها بدافع الحب والشوق لله، وليس بدافع التكليف.
«لذلك، أولئك الذين لم يصلوا بعد إلى مرحلة الفعل الكامل، عباداتهم من أجل الوصول إلى الكمال، أما الذين بلغوا الفعل الكامل، فالعبادات بالنسبة لهم لم تعد من أجل الكمال، بل هي من أجل التعبير عن مقتضى الكمال نفسه».
الأشخاص الذين في طريق التوحيد ولم يبلغوا بعد مرحلة التوحيد الكاملة، يجب عليهم اتباع أوامر الشريعة. أما من التزم بجميع الواجبات الشرعية ليلاً ونهارًا وحقق قدراته النفسية تدريجياً ووصل إلى المرتبة النهائية وأصبح عارفًا كاملًا، فبعد بلوغه هذه المرتبة والوصول إلى الوصال، كيف يجب أن يتعامل مع تكاليف الشريعة؟ هل العارف الكامل بعد هذا الكمال يصبح معفيًا من الشريعة؟ لا، بل يجب عليه تنفيذ أوامر الله، لكن بدافع الحب والمحبة لله وليس من أجل التكليف.
الشكر العملي بعد الالتزام بالشريعة
لذلك سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعد أن قال الله تعالى: «ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» {فتح: 48/2}، لماذا هذا التعب في أداء العبادات؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أكون عبدًا شاكراً؟ من كلام النبي نستدل أن عبادات من أتم الشريعة ووصل إلى مقام الوصال تختلف عن عبادات من يسعى للوصول إلى هذا المقام. عندما يعبد العارف في هذا المقام، فهو بالفعل في مقام الشكر. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي العبادات والتكاليف تعبيرًا عن شكره لله، لا لأن الله بحاجة إليها، بل من شدة حبه وشوقه.
وكانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها تعبد حتى تورمت قدماها. وكان الإمام الحسن عليه السلام يصلي حتى يصفر لونه ويرتجف جسده. فكيف هو حال أولياء الله؟ لماذا كانوا يحبون الصلاة؟ لأن حاجتهم للعبادة كانت من باب الشكر، ومن الحب والشوق لله كانوا يؤدون هذه العبادات.