طريق علاج الانغماس في الشهوات والنزعات النفسية
يقول المرحوم العلامة الطهراني: «لكن الإنسان لا يستطيع بهذه الوسائل وحدها أن يبرأ تمامًا من الأذى والهواجس النفسية، لأن هذه الأمور ملازمة له ومتجذرة في وجوده»؛ أي إن هذه الوساوس والخيلات النفسية تكون دائمًا ملازمة للسالك، متوغلة في أعماقه. فهي تصاحبه في الصلاة، والعبادة، والحرم، وأي مكان يذهب إليه.
ويضيف: «مسافر طريق الله وطريق الإخلاص والعبودية لا يخشى هؤلاء الأعداء. يربط دامن همته ويستعين بالنغمة القدسية ليخطو نحو الهدف، ويخرج من عالم الخيالات الذي يسمّى بالبرزخ، لكن على السالك أن يكون يقظًا ومنتبهًا جدًا حتى لا يبقى شيء من هذه الخيالات في زوايا بيت قلبه».
بمعنى آخر، على السالك مقاومة هذه الأعداء الداخليين وعدم الخوف منهم. قد يستطيع الإنسان في خلوتِه مع الله، ومن خلال المراقبة الداخلية، والأذكار والأوراد، أن يقلل من هذه الخيالات المهاجمة، لكنه يجب أن يبقى يقظًا. لا ينبغي له أن يظنّ أن كل هذه الخيالات قد زالت، إذ قد تكون بعض الخيالات والتمثلات والمكاشفات الفاسدة مختبئة في زاوية من النفس. على السالك أن يتتبعها ويخرجها جميعًا.
ويضيف العلامة الطهراني: «إن عادة هذه الموجودات الخيالية هي أن تختبئ في الزوايا المخفية من القلب عند محاولة إخراجها، فيظن السالك أنه قد تخلص منها وأنه بلا أثر من عالم البرزخ، لكن عندما يصل السالك إلى ينبوع الحياة ويريد أن يروى من عيون الحكمة، تنقضّ هذه الخيالات فجأة وتهاجمه بشدة، فتعرقل تقدمه». أي أنها تمنع السالك من الانتقال من عالم المثال إلى عالم الحقيقة، وتظل تصارع السالك باستمرار.
ولتوضيح هذا المعنى، يضرب مثالًا حسيًا: «مثل السالك مثل شخص صبّ ماء في حوض منزله وتركه بعض الوقت دون تحريك، حتى استقرّت الشوائب في القاع وظهر الماء صافياً، وظنّ أن هذا الصفاء دائم، ولكن بمجرد أن يغمر يده أو يغسل شيئًا في الحوض، تتلوث المياه فجأة بالشوائب واللُجج السوداء». لذلك، يجب على السالك أن يجاهد ويتمرن بما يكفي ليصل إلى صفاء الذهن بحيث لا تستطيع الخيالات أن تظهر وتشتت انتباهه عند التوجه نحو المعبود.
عندما يريد السالك الانتباه إلى الله، يجب أن يكون قد أكمل هذا الجهاد مع هذه الخيالات المتبقية مسبقًا، ليصل إلى صفاء قلبه وعقله.
إذن، هناك عالمان تم شرحهما:
-
الكثرة الخارجية: عالم المادة والطبيعة، الذي يجب تجاوزه بالتغافل وعدم التعلق، مع ممارسة الرياضات الروحية والمراقبات اللازمة.
-
الكثرة النفسية الداخلية: التمثلات والخيالات الفاسدة التي رسخت في النفس، والتي تتطلب مجاهدة خاصة وإصلاح داخلي للتخلص منها.
بعد تجاوز هذين العالمين، يستطيع السالك الدخول إلى العالم الثالث: عالم الحقيقة.
المصدر: كتاب چلچراغ سلوک، شرح رساله «لب اللباب في سیر و سلوك أولي الألباب»، قسم المعرفة الإجمالية عن السلوك – تأليف العلامة آية الله الشيخ محمدصالح كميلي.