الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

الموقع الإعلامي لسماحة آية الله الكميلي الخراساني (مدّ ظلّه العالي)

images (11)

حقيقة فناء النفس

حقیقة فناء النفس

يجب على السالك أن يجتاز مراحل الحيوانية والنفسية ليصل إلى النفس المطمئنة وينال الحياة الأبدية. لذلك يجب أن يخرج من عالم النفس وعبودية الجسد حتى تموت نفسه؛ ولهذا اعتبر العرفاء قتل النفس بمثابة «المَيْ» (الموت الروحي).

قتل النفس عنوان مهم أرفع بكثير من الشهادة في الجهاد الأصغر، لأنه يتعلق بالشهادة في الجهاد الأكبر، ومن المعلوم أن شهيد الجهاد الأكبر أعظم مرتبةً من شهيد الجهاد الأصغر.

يقول المرحوم العلامة الطهراني: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»{١}. تشير هذه الآية إلى فناء النفس، وهو الفناء الذي يتحدث عنه العرفاء. وفي موضع آخر يُذكر: «مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ»{٢}. ما هو عندكم فانٍ، ومن ضمن ذلك النفس البشرية، أما ما عند الله فهو باقي. مرحلة البقاء لله تأتي بعد الفناء في الله.

ومن جمع هذه الآيات يتضح أن الذين يعيشون ويتلقون رزقهم عند ربهم هم «وجه الله» الذي لا يزول ولا يفنى حسب نص القرآن. فحين يقول الله: «أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، يعني أن هؤلاء الفانون في الله الذين يصلهم رزقهم من الله، تبقى أرواحهم حية ويملكون الحياة الأبدية سواء كانوا في هذه الدنيا أو انتقلوا إلى عالم آخر، وهذا الانتقال يشبه الانتقال من بيت إلى بيت آخر.

كما فسر الموت في بعض الروايات على هذا النحو: «ما خَلَقْتُم لِلْفَنَاءِ بَل خَلَقْتُم لِلْبَقَاءِ وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُونَ مِن دَارٍ إِلَى دَارٍ»{٣}. لم تُخلقوا للفناء والاندثار، بل خلقتم للبقاء والأبدية، وما الموت إلا انتقال من دار إلى دار أخرى. بالنسبة للعابد والعارف، الموت اختياري وواقعي في هذه الدنيا، وإذا تحقق، تكون بعده الحياة الأبدية. وبالتالي، حتى في هذه الدنيا، يحظى بحياة أبدية لأنه دائمًا يتلقى رزق الحياة الإلهية.

من جهة أخرى، تُشير الآيات الكريمة إلى أن المراد بـ «وجه الله» تعالى الذي لا زوال له، هو الأسماء الإلهية، كما ورد في آية أخرى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»{٤}. ووفقًا لجميع المفسرين، كلمة «ذو» صفة لـ «وجه»، أي وجه ربك الذي ذو الجلال والإكرام باقٍ.

هذا الوجه هو وجه لا يزول ودائم. «ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»؛ صاحب الجلال والكرامة هو وجه الله، ويُراد بذلك أن السالك والعارف حين يصبح «وجه الله»، تتحقق له حالة البقاء والحياة الأبدية.

وعلمنا أن وجه كل شيء هو ما يظهر به ذلك الشيء ويواجه به؛ فالوجه هو المظهر. وعندما نقول إننا وجه الله، فهذا يعني أننا مظاهر لأسمائه وصفاته.


المراجع:
١- لب اللباب في السير والسلوك لأولي الألباب
٢- «مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ.» (النحل: ٩٦)
٣- بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٤٠٩
٤- «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (الرحمن: ٢٦-٢٧)

جدول المحتويات